< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah084
Al-Inshiqaaq (84)
The Splitting Open, makkah, 25 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾[آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾[الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾[الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾[الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾[المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ