< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلى العاقِلِ أنْ يَقْطَعَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ الأمْواتَ ويَحْشُرُهم، وذَلِكَ يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِعَدَمِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ هو الَّذِي ذُكِرَ بِعَيْنِهِ في سُورَةِ التِّينِ حَيْثُ قالَ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[التين: ٤] إلى أنْ قالَ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾[التين: ٧] وهَذِهِ المُحاجَّةُ تَصْلُحُ مَعَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ ويُنْكِرُونَ الإعادَةَ، وتَصْلُحُ أيْضًا مَعَ مَن يَنْفِي الِابْتِداءَ والإعادَةَ مَعًا، لِأنَّ الخَلْقَ المُعَدَّلَ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وبِواسِطَتِهِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَإنْ قِيلَ: بِناءُ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ التِّينِ بَعْدَ هَذا الِاسْتِدْلالِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾[التين: ٨] فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الحَكِيمِ.

الجَوابُ: أنَّ الكَرِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا، لِأنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ إلى الغَيْرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ لَكانَ ذَلِكَ تَبْذِيرًا لا كَرَمًا. أمّا إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ فَحِينَئِذٍ يُسَمّى كَرَمًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ كَرِيمًا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن وجْهَيْنِ كَما قَرَّرْناهُ، أمّا كَوْنُهُ حَكِيمًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَكانَ ذِكْرُ الكَرِيمِ هاهُنا أوْلى مِن ذِكْرِ الحَكِيمِ، هَذا هو تَمامُ الكَلامِ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ. أمّا قَوْلُهُ: (يا أيُّها الإنْسانُ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ، لِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ابْنِ الأسَدِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ ضَرَبَ

صفحة ٧٣

النَّبِيَّﷺ فَلَمْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العُصاةِ وهو الأقْرَبُ، لِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فالمُرادُ الَّذِي خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ الباطِلَ حَتّى تَرَكْتَ الواجِباتِ وأتَيْتَ بِالمُحَرَّماتِ، والمَعْنى ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ، يُقالُ: غَرَّهُ بِفُلانٍ إذا أمَّنَهُ المَحْذُورَ مِن جِهَتِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾[لقمان: ٣٣] هَذا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ عَلى جَمِيعِ العُصاةِ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الكافِرِ، فالمَعْنى ما الَّذِي دَعاكَ إلى الكُفْرِ والجَحْدِ بِالرُّسُلِ، وإنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَهُ كَرِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَغْتَرَّ الإنْسانُ بِكَرَمِهِ بِدَلِيلِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الجُودَ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا كانَ الحَقُّ تَعالى جَوادًا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِيضًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ اسْتَوى عِنْدَهُ طاعَةُ المُطِيعِينَ، وعِصْيانُ المُذْنِبِينَ، وهَذا يُوجِبُ الِاغْتِرارَ؛ لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُقْدِمَ الغَنِيُّ عَلى إيلامِ الضَّعِيفِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا، وأمّا المَنقُولُ فَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ دَعا غُلامَهُ مَرّاتٍ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِالبابِ، فَقالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تُجِبْنِي ؟ فَقالَ: لِثِقَتِي بِحِلْمِكَ، وأمْنِي مِن عُقُوبَتِكَ، فاسْتَحْسَنَ جَوابَهُ، وأعْتَقَهُ، وقالُوا أيْضًا: مِن كَرَمِ الرَّجُلِ سُوءُ أدَبِ غِلْمانِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ كَرَمَهُ يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِهِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ هاهُنا مانِعًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ لَمّا كُنْتَ تَرى حِلْمَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ظَنَنْتَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا حِسابَ ولا دارَ إلّا هَذِهِ الدّارَ، فَما الَّذِي دَعاكَ إلى هَذا الِاغْتِرارِ، وجَرَّأكَ عَلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ، فَهو لِكَرَمِهِ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ بَسْطًا في مُدَّةِ التَّوْبَةِ، وتَأْخِيرًا لِلْجَزاءِ إلى أنْ يَجْمَعَ النّاسَ في الدّارِ الَّتِي جَعَلَها لَهم