< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah082
Al-Infitaar (82)
The Cleaving, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والسَّماءُ كالسَّقْفِ، والأرْضُ كالبِناءِ، ومَن أرادَ تَخْرِيبَ دارٍ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ أوَّلًا بِتَخْرِيبِ السَّقْفِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ:﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ يَلْزَمُ مِن تَخْرِيبِ السَّماءِ انْتِثارُ الكَواكِبِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَخْرِيبِ السَّماءِ والكَواكِبِ يُخَرِّبُ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخَرِّبُ آخِرَ الأمْرِ الأرْضَ الَّتِي هي البِناءُ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى قَلْبِ الأرْضِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وبَطْنًا لِظَهْرٍ.
المَقامُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والتَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، أيْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ في هَذا اليَوْمِ ما قَدَّمَ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، وما أخَّرَ فَقَصَّرَ فِيهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي فِعْلًا و(وأخَّرَتْ) يَقْتَضِي تَرْكًا، فَهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي فِعْلًا وتَرْكًا وتَقْصِيرًا وتَوْفِيرًا، فَإنْ كانَ قَدَّمَ الكَبائِرَ وأخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ فَمَأْواهُ النّارُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ العَمَلَ الصّالِحَ وأخَّرَ الكَبائِرَ فَمَأْواهُ الجَنَّةُ.
وثانِيها: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أدْخَلَهُ في الوُجُودِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ يَسْتَنُّ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الفَرائِضِ وما أخَّرَتْ أيْ ما ضَيَّعَتْ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ في أوَّلِ عُمُرِها وما أخَّرَتْ في آخِرِ عُمُرِها، فَإنْ قِيلَ: وفي أيِّ مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ القِيامَةِ يَحْصُلُ هَذا العِلْمُ ؟ قُلْنا: أمّا العِلْمُ الإجْمالِيُّ فَيَحْصُلُ في أوَّلِ زَمانِ الحَشْرِ، لِأنَّ المُطِيعَ يَرى آثارَ السَّعادَةِ، والعاصِيَ يَرى آثارَ الشَّقاوَةِ في أوَّلِ الأمْرِ.
وأمّا العِلْمُ التَّفْصِيلُ، فَإنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ قِراءَةِ الكُتُبِ والمُحاسَبَةِ.
صفحة ٧٢
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ قِيلَ: قِيامُ القِيامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، وحِينَ لا يَنْفَعُ العَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾[الأنعام: ١٥٨] فَيَكُونُ ما عَمِلَهُ الإنْسانُ إلى تِلْكَ الغايَةِ، هو أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ القَفّالُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ وُقُوعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَقْلًا عَلى إمْكانِهِ أوْ عَلى وُقُوعِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإلَهَ الكَرِيمَ الَّذِي لا يَجُوزُ مِن كَرَمِهِ أنْ يَقْطَعَ مَوائِدَ نِعَمِهِ عَنِ المُذْنِبِينَ، كَيْفَ يَجُوزُ في كَرَمِهِ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ؟ .
الثّانِي: أنَّ القادِرَ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ثُمَّ سَوّاها وعَدَّلَها، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ أوْ لِحِكْمَةٍ، فَإنْ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ كانَ ذَلِكَ عَبَثًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ، وإنْ خَلَقَها لِحِكْمَةٍ، فَتِلْكَ الحِكْمَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنِ الِاسْتِكْمالِ والِانْتِفاعِ. فَتَعَيَّنَ الثّانِيَ، وهو أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَةٍ عائِدَةٍ إلى العَبْدِ، وتِلْكَ الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَظْهَرَ في الدُّنْيا أوْ في دارٍ سِوى الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وامْتِحانٍ، لا دارَ الِانْتِفاعِ والجَزاءِ، ولَمّا بَطَلَ كُلُّ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، فَثَبَتَ أنَّ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ الإلَهِ الكَرِيمِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ يُوجِبُ