< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اللَّهَ أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ» “ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في (فَأراهُ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ، يَعْنِي فَذَهَبَ فَأراهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآيَةِ الكُبْرى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هي اليَدُ، لِقَوْلِهِ في النمل: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ آيَةٌ أُخْرى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾[طه: ٢٣] .

القَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ: هي العَصا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا انْقِلابُ لَوْنِهِ إلى لَوْنٍ آخَرَ، وهَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا في العَصا؛ لِأنَّها لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ اللَّوْنُ الأوَّلُ، فَإذًا كَلُّ ما في اليَدِ فَهو حاصِلٌ في العَصا، ثُمَّ حَصَلَ في العَصا أُمُورٌ أُخْرى أزْيَدُ مِن ذَلِكَ، مِنها حُصُولُ الحَياةِ في الجِرْمِ الجَمادِيِّ، ومِنها تَزايُدُ أجْزائِهِ وأجْسامِهِ، ومِنها حُصُولُ القُدْرَةِ الكَبِيرَةِ والقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، ومِنها أنَّها كانَتِ ابْتَلَعَتْ أشْياءَ كَثِيرَةً وكَأنَّها فَنِيَتْ، ومِنها زَوالُ الحَياةِ والقُدْرَةِ عَنْها، وفَناءُ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي حَصَلَ عِظَمُها، وزَوالُ ذَلِكَ اللَّوْنِ والشَّكْلِ اللَّذَيْنِ بِهِما صارَتِ العَصا حَيَّةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ مُعْجِزًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ الكُبْرى هي العَصا. والقَوْلُ الثّالِثُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى مَجْمُوعُ اليَدِ والعَصا، وذَلِكَ لِأنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ أوَّلَ ما أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ هو العَصا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِاليَدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى مَجْمُوعَهُما.

وفِيهِ مَسائِلُ:

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾[الشُّعَراءِ: ٥٣] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.

وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ