< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


القاضِي: إنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ صارَ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ، قُلْنا: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا لِضَرُورَةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”سَلاسِلًا“ بِالتَّنْوِينِ، وكَذَلِكَ ”قَوارِيرًا قَوارِيرًا“ ومِنهم مَن يَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ

صفحة ٢١٣

بِالألِفِ. فَلِمَن نَوَّنَ وصَرَفَ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأخْفَشَ قالَ: قَدْ سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ صَرْفَ جَمِيعِ ما لا يَنْصَرِفُ، قالَ: وهَذا لُغَةُ الشُّعَراءِ لِأنَّهُمُ اضْطُرُّوا إلَيْهِ في الشِّعْرِ فَصَرَفُوهُ، فَجَرَتْ ألْسِنَتُهم عَلى ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الجُمُوعَ أشْبَهَتِ الآحادَ، لِأنَّهم قالُوا صَواحِباتُ يُوسُفَ، فَلَمّا جَمَعُوهُ جَمْعَ الآحادِ المُنْصَرِفَةِ جَعَلُوها في حُكْمِها فَصَرَفُوها، وأمّا مَن تَرَكَ الصَّرْفَ فَإنَّهُ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾[ الحَجِّ: ٤٠] وأمّا إلْحاقُ الألْفِ في الوَقْفِ فَهو كَإلْحاقِها في قَوْلِهِ: ”الظُّنُونا“ فَيُشَبَّهُ ذَلِكَ بِالإطْلاقِ في القَوافِي.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلشّاكِرِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ الأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ، كالأرْبابِ جَمْعُ رَبٍّ، والقَوْلُ في حَقِيقَةِ البَرِّ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾[ البَقَرَةِ: ١٧٧] ثُمَّ ذَكَرَ مِن أنْواعِ نَعِيمِهِمْ صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ يَعْنِي مِن إناءٍ فِيهِ الشَّرابُ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ الخَمْرَ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ مَزْجَ الكافُورِ بِالمَشْرُوبِ لا يَكُونُ لَذِيذًا، فَما السَّبَبُ في ذِكْرِهِ هَهُنا ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الكافُورَ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ ماؤُها في بَياضِ الكافُورِ ورائِحَتِهِ وبَرْدِهِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ فِيهِ طَعْمُهُ ولا مَضَرَّتُهُ، فالمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ يَكُونُ مَمْزُوجًا بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ.

وثانِيها: أنَّ رائِحَةَ الكافُورِ عَرَضٌ فَلا يَكُونُ إلّا في جِسْمٍ، فَإذا خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الرّائِحَةَ في جِرْمِ ذَلِكَ الشَّرابِ سُمِّيَ ذَلِكَ الجِسْمُ كافُورًا، وإنْ كانَ طَعْمُهُ طَيِّبًا.

وثالِثُها: أيُّ بَأْسٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الكافُورَ في الجَنَّةِ لَكِنْ مِن طَعْمٍ طَيِّبٍ لَذِيذٍ، ويَسْلُبُ عَنْهُ ما فِيهِ مِنَ المَضَرَّةِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَمْزُجُهُ بِذَلِكَ المَشْرُوبِ، كَما أنَّهُ تَعالى سَلَبَ عَنْ جَمِيعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ ما مَعَها في الدُّنْيا مِنَ المَضارِّ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ ”كانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ؟ الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: إنَّها زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورًا، وقِيلَ: بَلِ المَعْنى كانَ مِزاجُها في عِلْمِ اللَّهِ وحُكْمِهِ كافُورًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قُلْنا: الكافُورُ اسْمُ النَّهْرِ - كانَ ”عَيْنًا“ بَدَلًا مِنهُ، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ عَلى المَدْحِ، والتَّقْدِيرُ: أعْنِي عَيْنًا. أمّا إنْ قُلْنا: إنَّ الكافُورَ اسْمٌ لِهَذا الشَّيْءِ المُسَمّى بِالكافُورِ -كانَ ”عَيْنًا“ بَدَلًا مِن مَحَلِّ ”مِن كَأْسٍ“ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ فَذَكَرَ هُناكَ ”مِن“ وهَهُنا الباءَ، والفَرْقُ أنَّ الكَأْسَ مَبْدَأُ شُرْبِهِمْ وأوَّلُ غايَتِهِ. وأمّا العَيْنُ فَبِها يَمْزُجُونَ شَرابَهم، فَكَأنَّ المَعْنى: يَشْرَبُ عِبادُ اللَّهِ بِها الخَمْرَ، كَما تَقُولُ: شَرِبْتُ الماءَ بِالعَسَلِ.

صفحة ٢١٤

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ عامٌّ، فَيُفِيدُ أنَّ كُلَّ عِبادِ اللَّهِ يَشْرَبُونَ مِنها، والكُفّارُ بِالِاتِّفاقِ لا يَشْرَبُونَ مِنها، فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ عِبادِ اللَّهِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾[ الزُّمَرِ: ٧]لا يَتَناوَلُ الكُفّارَ بَلْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى