< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ كَقَوْلِكَ مَخْلُوطٌ. قالَ الهُذَلِيُّ:

كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلافُ النَّصْلِ شَطَّ بِهِ مَشِيجُ

يَصِفُ السَّهْمَ بِأنَّهُ قَدْ بَعُدَ في الرَّمْيَةِ فالتَطَخَ رِيشُهُ وفُوقاهُ بِدَمٍ يَسِيرٍ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَيْسَ يُجْمَعُ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُفْرَدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ ويُقالُ أيْضًا: نُطْفَةٌ مَشِيجٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”أمْشاجٍ“ جَمْعًا لِلْمَشْجِ، بَلْ هُما مِثْلانِ في الإفْرادِ، ونَظِيرُهُ بُرْمَةٌ أعْشارٌ، أيْ: قِطَعٌ مُكَسَّرَةٌ، وثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأرْضٌ سَباسِبُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى كَوْنِ النُّطْفَةِ مُخْتَلِطَةً، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ اخْتِلاطُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ بِنُطْفَةِ المَرْأةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾[ الطّارِقِ: ٧] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وهو أبْيَضُ غَلِيظٌ، وماءِ المَرْأةِ وهو أصْفَرُ رَقِيقٌ، فَيَخْتَلِطانِ، ويُخْلَقُ الوَلَدُ مِنهُما، فَما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ، قالَ مُجاهِدٌ: هي ألْوانُ النُّطْفَةِ، فَنُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ صَفْراءُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أمْشاجُها عُرُوقُها، وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي مِن نُطْفَةٍ مُشِجَتْ بِدَمٍ وهو دَمُ الحَيْضَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ إذا تَلَقَّتْ ماءَ الرَّجُلِ وحَبَلَتْ أُمْسِكَ حَيْضُها فاخْتَلَطَتِ النُّطْفَةُ بِالدَّمِ، وقالَ قَتادَةُ: الأمْشاجُ هو أنَّهُ يَخْتَلِطُ الماءُ والدَّمُ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً، وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ ذَلِكَ الجِسْمِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في النُّطْفَةِ أخْلاطًا مِنَ الطَّبائِعِ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ مِنَ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن نُطْفَةٍ ذاتِ أمْشاجٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وتَمَّ الكَلامُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأوْلى هو أنَّ المُرادَ اخْتِلاطُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ النُّطْفَةَ بِأنَّها أمْشاجٌ، وهي إذا صارَتْ عَلَقَةً فَلَمْ يَبْقَ فِيها وصْفٌ أنَّها نُطْفَةٌ، ولَكِنَّ هَذا الدَّلِيلَ لا يَقْدَحُ في أنَّ المُرادَ كَوْنُها أمْشاجًا مِنَ الأرْضِ والماءِ والهَواءِ والحارِّ.

صفحة ٢١٠

* *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نَبْتَلِيهِ مَعْناهُ لِنَبْتَلِيَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: جِئْتُكَ أقْضِي حَقَّكَ، أيْ لِأقْضِيَ حَقَّكَ، وأتَيْتُكَ أسْتَمْنِحُكَ، أيْ لِأسْتَمْنِحَكَ، كَذا قَوْلُهُ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أيْ لِنَبْتَلِيَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٦] أيْ لِتَسْتَكْثِرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”نَبْتَلِيهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: خَلَقْناهُ مُبْتَلِينَ لَهُ، يَعْنِي مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لِنَبْتَلِيَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّغْيِيرِ، والمَعْنى: إنّا خَلَقْناهُ مِن هَذِهِ الأمْشاجِ لا لِلْبَعْثِ، بَلْ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ، وهو السَّمْعُ والبَصَرُ، فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، والسَّمْعُ والبَصَرُ كِنايَتانِ عَنِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾[ مَرْيَمَ: ٤٢] وأيْضًا قَدْ يُرادُ بِالسَّمِيعِ المُطِيعُ، كَقَوْلِهِ ”سَمْعًا وطاعَةً“، وبِالبَصِيرِ العالِمُ، يُقالُ: فُلانٌ بَصِيرٌ في هَذا الأمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ الحاسَّتانِ المَعْرُوفَتانِ. واللَّهُ تَعالى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ الحَواسِّ وأشْرَفُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ أنْ رَكَّبَهُ وأعْطاهُ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ بَيَّنَ لَهُ سَبِيلَ الهُدى والضَّلالِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ الحَواسِّ كالمُقَدَّمِ عَلى إعْطاءِ العَقْلِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ، إلّا أنَّهُ أعْطاهُ آلاتٍ تُعِينُهُ عَلى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَعارِفِ، وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فَإذا أحَسَّ بِالمَحْسُوساتِ تَنَبَّهَ لِمُشارَكاتٍ بَيْنَها ومُبايَناتٍ، يُنْتَزَعُ مِنها