< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الدّارِ﴾[الرعد: ٢٤]، وقالَ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾[الحاقة: ٢٤]، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ أنْ يَزْدادَ سُرُورُهم، فَإنَّهُ يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمُّهُ وألَمُ قَلْبِهِ، ويُقالُ لِلْمُثابِ: هَذا بِطاعَتِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْنِئَةً لَهُ وزِيادَةً في سُرُورِهِ، والقائِلُ بِهَذا التَّفْسِيرِ جَعَلَ القَوْلَ مُضْمَرًا، أيْ: ويُقالُ لَهم هَذا الكَلامُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ في الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى شَرَحَ جَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ، أنَّ هَذا كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي جَزاءً لَكم يا مَعاشِرَ عِبادِي، لَكم خَلَقْتُها، ولِأجْلِكم أعْدَدْتُها. وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ جَزاءً عَلى فِعْلِ اللَّهِ ؟

(الجَوابُ): الجُزْءُ هو الكافِي، وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى.

السُّؤالُ الثّانِي: كَوْنُ سَعْيِ العَبْدِ مَشْكُورًا لِلَّهِ يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ شاكِرًا لَهُ.

(والجَوابُ): كَوْنُ اللَّهِ تَعالى شاكِرًا لِلْعَبْدِ مُحالٌ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ، وهو مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ الثَّوابَ مُقابِلٌ لِعِلْمِهِمْ، كَما أنَّ الشُّكْرَ مُقابِلٌ لِلنِّعَمِ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ مَشْهُورٌ في كَلامِ النّاسِ أنْ يَقُولُوا لِلرّاضِي بِالقَلِيلِ والمُثْنِي بِهِ: إنَّهُ شَكُورٌ، فَيُحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ هو رِضاهُ عَنْهم بِالقَلِيلِ مِنَ الطّاعاتِ، وإعْطاءَهُ إيّاهم عَلَيْهِ ثَوابًا كَثِيرًا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مُنْتَهى دَرَجَةِ العَبْدِ أنْ يَكُونَ راضِيًا مِن رَبِّهِ مَرْضِيًّا لِرَبِّهِ عَلى ما قالَ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾[الفجر: ٢٨] وكَوْنُها راضِيَةً مِن رَبِّهِ أقَلُّ دَرَجَةً مِن كَوْنِها مَرْضِيَّةً لِرَبِّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ إشارَةٌ إلى الأمْرِ الَّذِي بِهِ تَصِيرُ النَّفْسُ راضِيَةً مِن رَبِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَرْضِيَّةً لِرَبِّهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحالُ أعْلى المَقاماتِ وآخِرَ الدَّرَجاتِ، لا جَرَمَ وقَعَ الخَتْمُ عَلَيْها في ذِكْرِ مَراتِبِ أحْوالِ الأبْرارِ والصِّدِّيقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الإنْسانَ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾[الإنسان: ١] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ مِن أمْشاجٍ، والمُرادُ مِنهُ إمّا كَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، أوْ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، أوْ مِن ماءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، أوْ مِنَ الأعْضاءِ والأرْواحِ، أوْ مِنَ البَدَنِ

صفحة ٢٢٧

والنَّفْسِ، أوْ مِن أحْوالٍ مُتَعاقِبَةٍ عَلى ذَلِكَ الجِسْمِ، مِثْلُ كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا، وعَلى أيِّ هَذِهِ الوُجُوهِ تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ، فَلِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الصّانِعِ المُخْتارِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنِّي ما خَلَقْتُهُ ضائِعًا عاطِلًا باطِلًا، بَلْ خَلَقْتُهُ لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾[الإنسان: ٢] وهَهُنا مَوْضِعُ الخُصُومَةِ العَظِيمَةِ القائِمَةِ بَيْنَ أهْلِ الجَبْرِ والقَدَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنِّي أعْطَيْتُهُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وهو السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾[الإنسان: ٢] ولَمّا كانَ العَقْلُ أشْرَفَ الأُمُورِ المُحْتاجِ إلَيْها في هَذا البابِ أفْرَدَهُ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾[الإنسان: ٣] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الخَلْقَ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ صارُوا قِسْمَيْنِ؛ مِنهم شاكِرٌ، ومِنهم كُفُورٌ، وهَذا الِانْقِسامُ بِاخْتِيارِهِمْ كَما هو تَأْوِيلُ القَدَرِيَّةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَلى ما هو تَأْوِيلُ الجَبْرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَذابَ الكُفّارِ عَلى الِاخْتِصارِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ المُطِيعِينَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، وهو إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ