< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah076
Al-Insaan (76)
Man, madinah, 31 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
طَلَبًا لِحَمْدٍ وثَناءٍ، وتارَةً يَكُونُ لَهُما، وهَذا هو الشِّرْكُ، والأوَّلُ هو المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ فَمَرْدُودانِ، قالَ تَعالى:﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾[البقرة: ٢٦٤] وقالَ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾[الروم: ٣٩] ولا شَكَّ أنَّ التِماسَ الشُّكْرِ مِن جِنْسِ المَنِّ والأذى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَوْمُ لَمّا قالُوا: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ بَقِيَ فِيهِ احْتِمالُ أنَّهُ أطْعَمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ولِسائِرِ الأغْراضِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلا جَرَمَ نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّكُورُ والكُفُورُ مَصْدَرانِ كالشُّكْرِ والكُفْرِ، وهو عَلى وزْنِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الشُّكُورَ جَماعَةَ الشُّكْرِ وجَعَلْتَ الكُفُورَ جَماعَةَ الكُفْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾[الإسراء: ٩٩] مِثْلَ بُرْدٍ وبُرُودٍ، وإنْ شِئْتَ مَصْدَرًا واحِدًا في مَعْنى جَمْعٍ، مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا، وخَرَجَ خُرُوجًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ إحْسانَنا إلَيْكم لِلْخَوْفِ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا لِإرادَةِ مُكافَأتِكم.
والثّانِي: أنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُمُ الإيفاءَ بِالنَّذْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَوْفِ القِيامَةِ فَقَطْ، ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإطْعامَ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: بِطَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ، وبِالخَوْفِ عَنِ القِيامَةِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: الإيفاءُ بِالنَّذْرِ دَخَلَ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ هو الَّذِي أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ خَوْفَ القِيامَةِ فَقَطْ، أمّا الإطْعامُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضا اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ طَلَبَ رِضا اللَّهِ وطَلَبَ الحَذَرِ مِن خَوْفِ القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: وصَفَ اليَوْمَ بِالعُبُوسِ مَجازًا عَلى طَرِيقَتَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ أهْلِهِ مِنَ الأشْقِياءِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُحْبَسُ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطِرانِ.
والثّانِي: أنْ يُشَبَّهَ في شِدَّتِهِ وضَراوَتِهِ بِالأسَدِ العَبُوسِ أوْ بِالشُّجاعِ الباسِلِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّجّاجَ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَمْطَرِيرًا مَعْناهُ تَعْبِيسُ الوَجْهِ، فَيَجْتَمِعُ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ، قالَ: وهَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها، يَعْنِي أنَّ مَعْنى اقْمَطَرَّ في اللُّغَةِ جَمَعَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَمْطَرِيرًا يَعْنِي شَدِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، قالُوا: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ؛ إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلَهُ في البَلاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مَعْنًى، والتَّفْسِيرُ هو الأوَّلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ لِغَرَضَيْنِ: طَلَبِ رِضا اللَّهِ، والخَوْفِ مِنَ القِيامَةِ - بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أعْطاهم هَذَيْنِ الغَرَضَيْنِ، أمّا الحِفْظُ مِن هَوْلِ القِيامَةِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾، وسَمّى شَدائِدَها شَرًّا تَوَسُّعًا عَلى ما عَلِمْتَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ شَدائِدَ الآخِرَةِ لا تَصِلُ إلّا إلى أهْلِ العَذابِ، وأمّا طَلَبُ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى فَأعْطاهم بِسَبَبِهِ نَضْرَةً في الوَجْهِ، وسُرُورًا في القَلْبِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ ﴿ولَقّاهُمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً﴾[الفرقان: ٧٥]، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾، والتَّنْكِيرُ في ﴿وسُرُورًا﴾ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً