< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah069
Al-Haaqqa (69)
The Reality, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أُوتِيَ﴾ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ.
صفحة ١٠٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و﴿الأيّامِ الخالِيَةِ﴾، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾[الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾[البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾[الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾
صفحة ١٠١
﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾[مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ:أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ.
والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ