< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ومِنَ الفائِزِينَ بِالنَّعِيمِ، فَأحَبَّ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتّى يَفْرَحُوا بِما نالَهُ. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ لِأهْلِ بَيْتِهِ وقَرابَتِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّهُ يَقُولُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ .

وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ اليَقِينُ الِاسْتِدْلالِيُّ، وكُلُّ ما ثَبَتَ بِالِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ مِنَ الخَواطِرِ المُخْتَلِفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالظَّنِّ.

الثّانِي: التَّقْدِيرُ: إنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنِّي أُلاقِي حِسابِي فَيُؤاخِذُنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي، فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِالعَفْوِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي بِها فَهاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ.

وثالِثُها: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «"إنَّ الرَّجُلَ يُؤْتى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُؤْتى كِتابَهُ فَتَظْهَرُ حَسَناتُهُ في ظَهْرِ كَفِّهِ، وتُكْتَبُ سَيِّئاتُهُ في بَطْنِ كَفِّهِ فَيَنْظُرُ إلى سَيِّئاتِهِ فَيَحْزَنُ، فَيُقالُ لَهُ: اقْلِبْ كَفَّكَ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَيَرى حَسَناتِهِ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ عِنْدَ النَّظْرَةِ الأُولى ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾

صفحة ٩٩

عَلى سَبِيلِ الشِّدَّةِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي ذَلِكَ الغَمَّ»، وأمّا في حَقِّ الأشْقِياءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى الضِّدِّ مِمّا ذَكَرْنا.

ورابِعُها: ظَنَنْتُ أيْ: عَلِمْتُ، وإنَّما أُجْرِيَ مَجْرى العِلْمِ؛ لِأنَّ الظَّنَّ الغالِبَ يُقامُ مَقامَ العِلْمِ في العاداتِ والأحْكامِ، يُقالُ: أظُنُّ ظَنًّا كاليَقِينِ أنَّ الأمْرَ كَيْتَ وكَيْتَ.

وخامِسُها: المُرادُ إنِّي ظَنَنْتُ في الدُّنْيا أنَّ بِسَبَبِ الأعْمالِ الَّتِي كُنْتُ أعْمَلُها في الدُّنْيا سَأصِلُ في القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، وقَدْ حَصَلَتِ الآنَ عَلى اليَقِينِ فَيَكُونُ الظَّنُّ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا لا يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ وهو أنَّ مَن صارَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن