< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يا مُحَمَّدُ. والسّامُ: المَوْتُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ:﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾[النمل: ٥٩] و﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ و﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: إنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا فَلِمَ لا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِهَذا الِاسْتِخْفافِ.

* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ والمَعْنى أنَّ تَقَدُّمَ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ، أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، فَإذا لَمْ تَقْتَضِ المَشِيئَةُ تَقْدِيمَ العَذابِ، ولَمْ يَقْتَضِ الصَّلاحُ أيْضًا ذَلِكَ، فالعَذابُ في القِيامَةِ كافِيهِمْ في الرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى قَوْلَيْنِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾[المجادلة: ٨] عَلى اليَهُودِ حَمَلْنا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وإنْ حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، حَمَلْنا هَذا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ عَلى التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ

صفحة ٢٣٣

الرَّسُولِ، أتْبَعَهُ بِأنْ نَهى أصْحابَهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْلُكُوا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ﴾ وهو ما يَقْبُحُ مِمّا يَخُصُّهم ﴿والعُدْوانِ﴾ وهو يُؤَدِّي إلى ظُلْمِ الغَيْرِ ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ وهو ما يَكُونُ خِلافًا عَلَيْهِ، وأمَرَهم أنْ يَتَناجَوْا بِالبَرِّ الَّذِي يُضادُّ العُدْوانَ، وبِالتَّقْوى وهو ما يُتَّقى بِهِ مِنَ النّارِ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ مَتى تَناجَوْا بِما هَذِهِ صِفَتُهُ قَلَّتْ مُناجاتُهم؛ لِأنَّ ما يَدْعُو إلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ يَدْعُو إظْهارَهُ، وذَلِكَ يَقْرُبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾[النساء: ١١٤] وأيْضًا فَمَتى عَرَفْتَ طَرِيقَةَ الرَّجُلِ في هَذِهِ المُناجاةِ لَمْ يَتَأذّى مِن مُناجاتِهِ أحَدٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ إلى حَيْثُ يُحاسَبُ ويُجازى، وإلّا فالمَكانُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ النَّجْوى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ في النَّجْوى ما يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ولِلَّهِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ المَعْهُودُ السّابِقُ وهو النَّجْوى بِالإثْمِ والعُدْوانِ، والمَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ النَّجْوى الَّتِي هي سَبَبٌ لِحُزْنِ المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا رَأوْهم مُتَناجِينَ قالُوا: ما نَراهم إلّا وقَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الغَزَواتِ أنَّهم قُتِلُوا وهُزِمُوا، ويَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ويَحْزَنُونَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لَيْسَ يَضُرُّ التَّناجِي بِالمُؤْمِنِينَ شَيْئًا.

والثّانِي: الشَّيْطانُ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِخَلْقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِلْأمْراضِ وأحْوالِ القَلْبِ مِنَ الحُزْنِ والفَرَحِ، وقِيلَ: بِأنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ مُناجاةِ الكُفّارِ حَتّى يَزُولَ الغَمُّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا يَخِيبُ أمَلُهُ ولا يَبْطُلُ سَعْيُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ، أمَرَهُمُ الآنَ بِما يَصِيرُ سَبَبًا لِزِيادَةِ المَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾تَوَسَّعُوا فِيهِ، ولْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ،