< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ.

والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلٌ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿مِن نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم.

والخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَجْرُورَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قُرِئَ: ”ولا أكْبَرَ“ بِالباءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ.

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى رابِعًا لَهم، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مَعَهم كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكَلامِهِمْ وضَمِيرِهِمْ وسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، وكَأنَّهُ تَعالى حاضِرٌ مَعَهم ومَشاهِدٌ لَهم، وقَدْ تَعالى عَنِ المَكانِ والمُشاهَدَةِ.

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَرَأ بَعْضُهم: ”ثُمَّ يُنْبِئُهم“ بِسُكُونِ النُّونِ، وأنْبَأ ونَبَّأ واحِدٌ في المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُحاسِبُ عَلى ذَلِكَ ويُجازِي عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وتَرْغِيبٌ في الطّاعاتِ.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهم مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، ومِنهم مَن قالَ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم فَقالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، وهَذا الجِنْسُ فِيما رُوِيَ وقَعَ مِنَ اليَهُودِ، فَقَدْ كانُوا إذا سَلَّمُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، يَعْنُونَ المَوْتَ، والأخْبارُ في ذَلِكَ مُتَظاهِرَةٌ، وقِصَّةُ عائِشَةَ فِيها مَشْهُورَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٢٣٢

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ صَحَّ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوءُهم، فَيَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا أكْثَرُوا ذَلِكَ شَكا المُسْلِمُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ وعادُوا إلى مُناجاتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو مُخالَفَتُهم لِلرُّسُلِ في النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى المَنهِيِّ يُوجِبُ الإثْمَ والعُدْوانَ، سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الإقْدامُ لِأجْلِ المُناصَبَةِ وإظْهارِ التَّمَرُّدِ.

والثّانِي: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو ذَلِكَ السِّرُّ الَّذِي كانَ يَجْرِي بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ إمّا مَكْرٌ وكَيْدٌ بِالمُسْلِمِينَ أوْ شَيْءٌ يَسُوءُهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، ”ويَنْتَجُونَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ: يَتَناجَوْنَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْتَجُونَ يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّجْوى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ كالدَّعْوى والعَدْوى، فَيَنْتَجُونَ ويَتَناجَوْنَ واحِدٌ، فَإنَّ يَفْتَعِلُونَ، ويَتَفاعَلُونَ قَدْ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، كَما يُقالُ: ازْدَوِجُوا، واعْتَوِرُوا، وتَزاوَجُوا وتَعاوَرُوا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾[الأعراف: ٣٨] وادَّرَكُوا، فادَّرَكُوا افْتَعَلُوا، وادّارَكُوا تَفاعَلُوا، وحَجَّةُ مَن قَرَأ: ﴿ويَتَناجَوْنَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ فَهَذا مُطاوِعُ ”ناجَيْتُمْ“، ولَيْسَ في هَذا رَدٌّ لِقِراءَةِ حَمْزَةَ: ”يَنْتَجُونَ“؛ لِأنَّ هَذا مِثْلُهُ في الجَوازِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَعْصِياتِ الرَّسُولِ“، والقَوْلانِ هَهُنا كَما ذَكَرْناهُ في الإثْمِ والعُدْوانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في تَحِيَّتِكَ: السّامُ عَلَيْكَ