< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
اليَسارَ مِنَ الشَّيْءِ اليَسِيرِ إشارَةً إلى ضَعْفِهِ، فَصارَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ كَيْفَما يَدُورُ فَيُقالُ: في مُقابَلَةِ اليُمْنى اليُسْرى، وفي مُقابَلَةِ الأيْمَنِ الأيْسَرُ، وفي مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ المَيْسَرَةُ، ولا تُسْتَعْمَلُ الشِّمالُ كَما تُسْتَعْمَلُ اليَمِينُ، فَلا يُقالُ: الأشْمَلُ ولا المَشْمَلَةُ، وتُسْتَعْمَلُ المَشْأمَةُ كَما تُسْتَعْمَلُ المَيْمَنَةُ، فَلا يُقالُ: في مُقابَلَةِ اليَمِينِ لَفْظٌ مِن بابِ الشُّؤْمِ، وأمّا الشَّآمُ فَلَيْسَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ بَلْ في مُقابَلَةِ يَمانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: بَعْدَما قالُوا بِاليَمِينِ لَمْ يَتْرُكُوهُ، واقْتَصَرُوا عَلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ اليَمِينِ في الجانِبِ المَعْرُوفِ مِنَ الآدَمِيِّ، ولَفْظِ الشِّمالِ في مُقابَلَتِهِ، وحَدَثَ لَهم لَفْظانِ آخَرانِ فِيهِ: أحَدُهُما: الشِّمالُ وذَلِكَ لِأنَّهم نَظَرُوا إلى الكَواكِبِ مِنَ السَّماءِ وجَعَلُوا مَمَرَّها وجْهَ الإنْسانِ وجَعَلُوا السَّماءَ جانِبَيْنِ وجَعَلُوا أحَدَهُما أقْوى كَما رَأوْا في الإنْسانِ، فَسَمَّوُا الأقْوى بِالجَنُوبِ لِقُوَّةِ الجانِبِ كَما يُقالُ: غَضُوبٌ ورَءُوفٌ، ثُمَّ رَأوْا في مُقابَلَةِ الجَنُوبِ جانِبًا آخَرَ شَمِلَ ذَلِكَ الجانِبُ عِمارَةَ العالَمِ فَسَمَّوْهُ شِمالًا (واللَّفْظُ الآخَرُ): المَشْأمَةُ والأشْأمُ في مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ والأيْمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أخَذُوا مِنَ اليَمِينِ اليُمْنَ وغَيْرَهُ لِلْتَفاؤُلِ وضَعُوا الشُّؤْمَ في مُقابَلَتِهِ لا في أعْضائِهِمْ وجَوانِبِهِمْ تَكَرُّهًا لِجَعْلِ جانِبٍ مِن جَوانِبِ نَفْسِهِ شُؤْمًا، ولَمّا وضَعُوا ذَلِكَ واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلَيْهِ نَقَلُوا اليَمِينَ مِنَ الجانِبِ إلى غَيْرِهِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكُفّارَ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقالَ:﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ وتَرَكَ لَفْظَ المَيْسَرَةِ واليَسارِ الدّالِ عَلى هَوْنِ الأمْرِ، فَقالَ هَهُنا: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ بِأفْظَعِ الِاسْمَيْنِ، ولِهَذا قالُوا في العَساكِرِ: المَيْمَنَةُ والمَيْسَرَةُ اجْتِنابًا مِن لَفْظِ الشُّؤْمِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ﴿والسّابِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”أصْحابِ المَيْمَنَةِ“ وعِنْدَهُ تَمَّ الكَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿السّابِقُونَ﴾﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ أنْتَ. وكَما قالَ الشّاعِرُ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِشُهْرَةِ أمْرِ المُبْتَدَأِ بِما هو عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى الخَبَرِ عَنْهُ، وهو مُرادُ الشّاعِرِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. والثّانِي: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في المُبْتَدَأِ ما لا يُحِيطُ العِلْمُ بِهِ ولا يُخْبَرُ عَنْهُ ولا يُعْرَفُ مِنهُ إلّا نَفْسُ المُبْتَدَأِ، وهو كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أخْبِرْنِي عَنْ حالِ المَلِكِ. فَيَقُولُ: لا أعْرِفُ مِنَ المَلِكِ إلّا أنَّهُصفحة ١٢٨
مَلِكٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أيْ لا يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهم إلّا بِنَفْسِهِمْ، فَإنَّ حالَهم وما هم عَلَيْهِ فَوْقَ أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ البَشَرِ، (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّهُ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ قالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ بِالِاسْتِفْهامِ وإنْ كانَ لِلْإعْجازِ، لَكِنْ جَعْلَهم مَوْرِدَ الِاسْتِفْهامِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ: والسّابِقُونَ ما السّابِقُونَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلْإعْجازِ يُورَدُ عَلى مُدَّعِي العِلْمَ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَعَلَمُ فَبَيَّنَ الكَلامَ، وأمّا إذا كانَ يَعْتَرِفُ بِالجَهْلِ فَلا يُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ ولا يُقالُ: كَيْفَ كَذا، وما الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ في: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ما جَعَلَهم بِحَيْثُ يَدَّعُونَ، فَيُورَدُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِفْهامُ فَيُبَيِّنُ عَجْزَهم، بَلْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ في الِابْتِداءِ بِالعَجْزِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ كَقَوْلِ العالِمِ لِمَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ مُعْضِلَةٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْهَمُها وإنْ كانَ أبانَها غايَةَ الإبانَةِ أنَّ الأمْرَ فِيها عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا يَشْتَغِلُ بِالبَيانِ. وثالِثُها: هو أنَّ ”السّابِقُونَ“ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ والوَجْهُ الأوْسَطُ هو الأعْدَلُ الأصَحُّ، وعَلى الوَجْهِ الأوْسَطِ قَوْلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ السّابِقِينَ إلى الخَيْراتِ في الدُّنْيا هُمُ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ في العُقْبى.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ