< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٦

المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: إلى مَعْلُومٍ وهو الكَلامُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الكُلِّ، وكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ سِحْرٌ، فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ وهو جَمِيعُ ما سَبَقَ في سُورَةِ الواقِعَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والحَشْرِ، والدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِما، والقَسَمِ الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: هَذا كُلُّهُ كَلامُ مُحَمَّدٍ ومُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرْآنُ مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ غَيْرُ مَصْدَرٍ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ وهو المَقْرُوءُ ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾[الرعد: ٣١] وهَذا كَما يُقالُ في الجِسْمِ العَظِيمِ: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْدُورِهِ وهو كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي﴾[لقمان: ١١] وعَلى هَذا سَنُبَيِّنُ فَسادَ قَوْلِ مَن رَدَّ عَلى الفُقَهاءِ قَوْلَهم في بابِ الزَّكاةِ: يُعْطِي شَيْئًا أعْلى مِمّا وجَبَ ويَأْخُذُ الجُبْرانَ أوْ يُعْطِي شَيْئًا دُونَهُ، ويُعْطِي الجُبْرانَ أيْضًا، حَيْثُ قالَ: الجُبْرانُ مَصْدَرٌ لا يُؤْخَذُ ولا يُعْطى، فَيُقالُ لَهُ هو كالقُرْآنِ بِمَعْنى المَقْرُوءِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِما أُخِذَ جابِرٌ أوْ مَجْبُورٌ أوْ يُقالُ: هو اسْمٌ لِما يُجْبَرُ بِهِ كالقُرْبانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا كانَ هَذا الكَلامُ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ فَهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مَقْرُوءًا فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الكُلِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فَهم كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ قُرْآنًا كَرِيمًا، وهم ما كانُوا يُقِرُّونَ بِهِ. وثانِيهِما:

وهُوَ أحْسَنُ مِنَ الأوَّلِ، أنَّهم قالُوا: هو مُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ سَمِعْتُهُ وتَلَوْتُهُ عَلَيْكم فَما كانَ القُرْآنُ عِنْدَهم مَقْرُوءًا، وما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وفَرْقٌ بَيْنَ القِراءَةِ والإنْشاءِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ أثْبَتَ كَوْنَهُ مَقْرُوءًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُقْرَأ ويُتْلى فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ سَمّاهُ قُرْآنًا لِكَثْرَةِ ما قُرِئَ، ويُقْرَأُ إلى الأبَدِ بَعْضُهُ في الدُّنْيا وبَعْضُهُ في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَرِيمٌ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ ؟ وهي أنَّ الكَلامَ إذا قُرِئَ كَثِيرًا يَهُونُ في الأعْيُنِ والآذانِ، ولِهَذا تَرى مَن قالَ شَيْئًا في مَجْلِسِ المُلُوكِ لا يَذْكُرُهُ ثانِيًا، ولَوْ قِيلَ فِيهِ يُقالُ لِقائِلِهِ لِمَ تُكَرِّرُ هَذا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ أيْ مَقْرُوءٌ، قُرِئَ ويُقْرَأُ، قالَ: ﴿كَرِيمٌ﴾أيْ لا يَهُونُ بِكَثْرَةِ التِّلاوَةَ ويَبْقى أبَدَ الدَّهْرِ كالكَلامِ الغَضِّ والحَدِيثِ الطَّرِيِّ، ومِن هُنا يَقَعُ أنَّ وصْفَ القُرْآنِ بِالحَدِيثِ مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ يَسْتَمِدُّ مِن هَذا مَدَدًا فَهو قَدِيمٌ يَسْمَعُهُ السّامِعُونَ كَأنَّهُ كَلامُ السّاعَةِ، وما قَرَعَ سَمْعَ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَلِمُوهُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِأُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ إذا سَمِعُوهُ مِن أحَدِنا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ التِذاذَ السّامِعِ بِكَلامٍ جَدِيدٍ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِن قَبْلُ، والكَرِيمُ اسْمٌ جامِعٌ لِصِفاتِ المَدْحِ، قِيلَ: الكَرِيمُ هو الَّذِي كانَ طاهِرَ الأصْلِ ظاهِرَ الفَضْلِ، حَتّى إنَّ مَن أصْلُهُ غَيْرُ زَكِيٍّ لا يُقالُ لَهُ كَرِيمٌ مُطْلَقًا، بَلْ يُقالُ لَهُ: كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، ومَن يَكُونُ زَكِيَّ الأصْلِ غَيْرَ زَكِيِّ النَّفْسِ لا يُقالُ لَهُ: كَرِيمٌ إلّا مَعَ تَقْيِيدٍ، فَيُقالُ: هو