< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تُعَدُّ ولا تُحْصى، ودَلائِلُ الِاخْتِيارِ إثْباتُ مُخْتَلِفَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، أوْ إثْباتُ مُتَشابِهَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إذْ حالُ الإنْسانِ مِن أشَدِّ الأشْياءِ مُشابَهَةً فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مُتَشابِهٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الإنْسانِ قُوَّةً لَيْسَتْ في الجانِبِ الأيْسَرِ، لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنْ يَذْكُرُوا لَهُ مُرَجِّحًا غَيْرَ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ بَعْضُهم يَدَّعِي كِياسَةً وذَكاءً يَقُولُ: إنَّ الكَبِدَ في الجانِبِ الأيْمَنِ، وبِها قُوَّةُ التَّغْذِيَةِ، والطِّحالَ في الجانِبِ الأيْسَرِ، ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ ظاهِرَةُ النَّفْعِ فَصارَ الجانِبُ الأيْمَنُ قَوِيًّا لِمَكانِ الكَبِدِ عَلى اليَمِينِ ؟ فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ لِأنَّ اليَمِينَ كالشِّمالِ، وتَخْصِيصُ اللَّهِ اليَمِينَ بِجَعْلِهِ مَكانَ الكَبِدِ دَلِيلُ الِاخْتِيارِ إذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ يَمِينُهُ أقْوى مِن شِمالِهِ، فَضَّلُوا اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ، وجَعَلُوا الجانِبَ الأيْمَنَ لِلْأكابِرِ، وقِيلَ لِمَن لَهُ مَكانَةٌ هو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ووَضَعُوا لَهُ لَفْظًا عَلى وزْنِ العَزِيزِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ كالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وما لا يَتَغَيَّرُ كالطَّوِيلِ والقَصِيرِ، وقِيلَ لَهُ: اليَمِينُ، وهو يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ، ووَضَعُوا مُقابَلَتَهُ اليَسارَ عَلى الوَزْنِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ الِاسْمُ المَذْمُومِ عِنْدَ النِّداءِ بِذَلِكَ الوَزْنِ، وهو الفَعالِ، فَإنَّ عِنْدَ الشَّتْمِ والنِّداءِ بِالِاسْمِ المَذْمُومِ يُؤْتى الوَزْنُ مَعَ البِناءِ عَلى الكَسْرِ، فَيُقالُ: يا فَجارِ يا فَساقِ يا خَباثِ، وقِيلَ: اليَمِينُ اليَسارُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ في اليَمِينِ، وأمّا المَيْمَنَةُ فَهي مَفْعَلَةٌ كَأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اليَمِينُ وكُلُّ ما وقَعَ بِيَمِينِ الإنْسانِ في جانِبٍ مِنَ المَكانِ، فَذَلِكَ مَوْضِعُ اليَمِينِ فَهو مَيْمَنَةٌ كَقَوْلِنا: مَلْعَبَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جَعْلُ اللَّهِ الخَلْقَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ دَلِيلُ غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوانِبَ الإنْسانِ أرْبَعَةٌ: يَمِينُهُ وشِمالُهُ، وخَلْفُهُ وقُدّامُهُ، واليَمِينُ في مُقابَلَةِ الشِّمالِ والخَلْفُ في مُقابَلَةِ القُدّامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أشارَ بِأصْحابِ اليَمِينِ إلى النّاجِينَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وهم مِن أصْحابِ الجانِبِ الأشْرَفِ المُكْرَمُونَ، وبِأصْحابِ الشِّمالِ إلى الَّذِينَ حالُهم عَلى خِلافِ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهْمُ بِشَمائِلِهِمْ مُهانُونَ وذِكْرُ السّابِقِينَ الَّذِينَ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ويَسْبِقُونَ الخَلْقَ مِن غَيْرِ حِسابٍ بِيَمِينٍ أوْ شِمالٍ، أنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ في المَنزِلَةِ العُلْيا مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ، وهُمُ المُقَرَّبُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، يَتَكَلَّمُونَ في حَقِّ الغَيْرِ ويَشْفَعُونَ لِلْغَيْرِ

صفحة ١٢٦

ويَقْضُونَ أشْغالَ النّاسِ وهَؤُلاءِ أعْلى مَنزِلَةً مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: في مُقابَلَتِهِمْ قَوْمًا يَكُونُونَ مُتَخَلِّفِينَ مُؤَخَّرِينَ عَنْ أصْحابِ الشِّمالِ، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وكانَتِ القِسْمَةُ في العادَةِ رُباعِيَّةً فَصارَتْ بِسَبَبِ الفَضْلِ ثُلاثِيَّةً، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾[فاطر: ٣٢] ولَمْ يَقُلْ: مِنهم مُتَخَلِّفٌ عَنِ الكُلِّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في الِابْتِداءِ بِأصْحابِ اليَمِينِ، والِانْتِقالِ إلى أصْحابِ الشِّمالِ، ثُمَّ إلى السّابِقِينَ، مَعَ أنَّهُ في البَيانِ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ ثُمَّ أصْحابِ الشِّمالِ عَلى التَّرْتِيبِ ؟ (والجَوابُ): أنْ نَقُولَ: ذِكْرُ الواقِعَةِ وما يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَكُونُ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ما يَكْفِهِ مانِعًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وأمّا الَّذِينَ سِرُّهم مَشْغُولٌ بِرَبِّهِمْ فَلا يَحْزَنُونَ بِالعَذابِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾وكانَ فِيهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ التَّخْوِيفُ بِالَّذِينَ يَرْغَبُونَ ويَرْهَبُونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْلى ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ لِقَطْعِ العُذْرِ لا نَفْعِ الخَبَرِ، وأمّا السّابِقُونَ فَهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى تَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ أصْحابَ اليَمِينِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ويَرْغَبُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ السّابِقِينَ لِيَجْتَهِدَ أصْحابُ اليَمِينِ ويَقْرُبُوا مِن دَرَجَتِهِمْ وإنْ كانَ لا يَنالُها