< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِكِرابِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها يَصِيرُ حارِثًا، وذَلِكَ قَبْلَ إلْقاءِ البَذْرَةِ لِزَرْعٍ لِمَن أتى بِالأمْرِ المُتَأخِّرِ وهو إلْقاءُ البَذْرِ، أيْ مَن لَهُ البَذْرُ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ

صفحة ١٥٨

رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وهَذا أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ الإلْقاءِ في الأرْضِ يُجْعَلُ الزَّرْعُ لِلْمُلْقِي سَواءٌ كانَ مالِكًا أوْ غاصِبًا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وهو تَدْرِيجٌ في الإثْباتِ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ لَمْ يَبْعُدْ مِن مُعانِدٍ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَحْرُثُ وهو بِنَفْسِهِ يَصِيرُ زَرْعًا، لا بِفِعْلِنا ولا بِفِعْلِ غَيْرِنا، فَقالَ تَعالى: ولَوْ سَلِمَ لَكم هَذا الباطِلُ، فَما تَقُولُونَ في سَلامَتِهِ عَنِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُهُ، فَيَفْسُدُ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ انْعِقادِهِ، أوْ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ ظُهُورِ الحَبِّ فِيهِ، فَهَلْ تَحْفَظُونَهُ مِنها أوْ تَدْفَعُونَها عَنْهُ، أوْ هَذا الزَّرْعُ بِنَفْسِهِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ الآفاتِ، كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَنْبُتُ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّ دَفْعَ الآفاتِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وحِفْظَهُ عَنْها بِفَضْلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا أعادَهُ لِيَذْكُرَ أُمُورًا مُرَتَّبَةً بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَيَكُونُ الأمْرُ الأوَّلُ: لِلْمُهْتَدِينَ. والثّانِي: لِلظّالِمِينَ. والثّالِثُ: لِلْمُعانِدِينَ الضّالِّينَ، فَيَذْكُرُ الأمْرَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ في آخِرِ الأمْرِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى الضّالِّ المُعانِدِ.

وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى هَهُنا قالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ بِلامِ الجَوابِ وقالَ في الماءِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾[الواقعة: ٧٠] مِن غَيْرِ لامٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ كانَ قَرِيبَ الذِّكْرِ فاسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّامِ فِيهِ عَنْ ذِكْرِها ثانِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾[يس: ٦٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾[يس: ٦٧] أقْرَبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ و﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: هُناكَ أحَدُهُما قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ ذِكْرًا لا مَعْنًى؛ لِأنَّ الطَّمْسَ لا يَلْزَمُهُ المَسْخُ ولا بِالعَكْسِ والمَأْكُولَ مَعَهُ المَشْرُوبُ في الدَّهْرِ، فالأمْرانِ تَقارَبا لَفْظًا ومَعْنًى والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ يُفِيدُ نَوْعَ تَأْكِيدٍ فَذَكَرَ اللّامَ في المَأْكُولِ لِيُعْلَمَ أنَّ أمْرَ المَأْكُولِ أهَمُّ مِن أمْرِ المَشْرُوبِ وأنَّ نِعْمَتَهُ أعْظَمُ وما ذَكَرْنا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الطَّمْسِ أهْوَنُ مِن أمْرِ المَسْخِ وأدْخَلَ فِيهِما اللّامَ، وهَهُنا جَوابٌ آخَرُ يَبِينُ بِتَقْدِيمِ بَحْثٍ عَنْ فائِدَةِ اللّامِ في جَوابِ لَوْ، فَنَقُولُ: حَرْفُ الشَّرْطِ إذا دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً في المَعْنى فاحْتاجُوا إلى عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى المَعْنى، فَأتَوْا بِالجَزْمِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي جَزاءً، وفِيهِ تَطْوِيلٌ فالجَزْمُ الَّذِي هو سُكُونٌ ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى أيْضًا مُناسَبَةٌ لَكِنَّ كَلِمَةَ لَوْ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الماضِي مَعْنًى فَإنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُسْتَقْبَلِ جَعَلَتْهُ ماضِيًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْرُجُ عَنْ أقْسامٍ فَإنَّها إذا ذُكِرَتْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فالجَزاءُ لازِمُ الوُقُوعِ فَجَعْلُ الكَلامِ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً عُدُولٌ عَنْ جُمْلَةٍ إسْنادِيَّةٍ إلى جُمْلَةٍ تَعْلِيقِيَّةٍ وهو تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَقَوْلُ القائِلِ: آتِيكَ إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَطْوِيلٌ والأوْلى أنْ يَقُولَ: آتِيكَ جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ فَإذا عُلِمَ هَذا فَحالُ الشَّرْطِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ العَدَمِ أوْ مَشْكُوكًا فِيهِ فالشَّرْطُ إذا وقَعَ عَلى قِسْمَيْنِ فَلا بُدَّ لَهُما مِن لَفْظَيْنِ وهُما إنْ ولَوْ، واخْتَصَّتْ إنْ بِالشُّكُوكِ، ولَوْ بِمَعْلُومٍ لِأمْرٍ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لَكِنْ ما عُلِمَ عَدَمُهُ يَكُونُ الآخَرُ فَقَدْ أثْبَتَ مِنهُ فَهو ماضٍ أوْ