< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ.
وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ.
ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ.
ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها.
ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ:
﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ، وذَلِكَ أنَّ في الرِّسالَةِ أسْرارًا لا تُقالُ إلّا لِلْأبْرارِ، ومِن جُمْلَتِها تَعْيِينُ وقْتِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ العَوامَّ لَوْ عَلِمُوا لاتَّكَلُوا والأنْبِياءُ رُبَّما اطَّلَعُوا عَلى عَلاماتِها أكْثَرَ مِمّا بَيَّنُوا ورُبَّما بَيَّنُوا لِلْأكابِرِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلاماتٍ عَلى ما نُبَيِّنُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ الَّتِي بَلَغَتْ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ يَشْتَرِكُ فِيهِ العَوامُّ والخَواصُّ، فَقالَ: قُلْ قَوْلًا عامًّا وهَكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ، قالَ: قُلْ كانَ الأمْرُ ظاهِرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾[الإخلاص: ١] وقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾[فصلت: ٦] أيْ هَذا هو الظّاهِرُ مِن أمْرِ الرُّوحِ وغَيْرُهُ خَفِيٌّ.
ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾[الواقعة: ٤٩] بِتَقْدِيمِ الأوَّلِينَ عَلى الآخَرِينَ في جَوابِ قَوْلِهِمْ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ فَإنَّهم أخَّرُوا ذِكْرَ الآباءِ لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ فِيهِمْ أكْثَرَ، فَقالَ إنَّ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَسْتَبْعِدُونَ بَعْثَهم وتُؤَخِّرُونَهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في أمْرٍ مُقَدَّمٍ عَلى الآخِرِينَ، يَتَبَيَّنُ مِنهُ إثْباتُ حالِ مَن أخَّرْتُمُوهُ
صفحة ١٥١
مُسْتَبْعِدِينَ، إشارَةً إلى كَوْنِ الأمْرِ هَيِّنًا.ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَإنَّهم أنْكَرُوا قَوْلَهُ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ فَقالَ: هو واقِعٌ مَعَ أمْرٍ زائِدٍ، وهو أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُجْمَعُونَ في عَرْصَةِ الحِسابِ، وهَذا فَوْقَ البَعْثِ، فَإنَّ مَن بَقِيَ تَحْتَ التُّرابِ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ حُشِرَ رُبَّما لا يَكُونُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الحَرَكَةِ، وكَيْفَ لَوْ كانَ حَيًّا مَحْبُوسًا في قَبْرِهِ مُدَّةً لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الحَرَكَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ يُحَرِّكُهُ بِأسْرَعِ حَرَكَةٍ ويَجْمَعُهُ بِأقْوى سَيْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَوْقَ قَوْلِ القائِلِ: مَجْمُوعُونَ كَما قُلْنا: إنَّ قَوْلَ القائِلِ: إنَّهُ يَمُوتُ في إفادَةِ التَّوْكِيدِ دُونَ قَوْلِهِ: إنَّهُ مَيِّتٌ.
رابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ