< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المَكانَ إلّا بِنَظَرِ العُلَماءِ الأخْبارِ الحُكَماءِ الأخْيارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ عَمَلُهم وحاصِلٌ بِفِعْلِهِمْ، نَقُولُ: لا نِزاعَ في أنَّ العَمَلَ في الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وُضِعَ لِلْفِعْلِ والمَجْنُونَ لِلَّذِي لا عَقْلَ لَهُ والعاقِلَ لِلَّذِي بَلَغَ الكَمالَ فِيهِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِوَضْعِ اللُّغَةِ لِما يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وكُلُّ أحَدٍ يَرى الحَرَكَةَ مِنَ الجِسْمَيْنِ فَيَقُولُ: تَحَرَّكَ وسَكَنَ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، كَما يَقُولُ: تَدُورُ الرَّحا ويَصْعَدُ الحَجَرُ، وإنَّما الكَلامُ في القُدْرَةِ الَّتِي بِها الفِعْلُ في المَحَلِّ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وضْعِ اللُّغَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِهِ عَنِ الجَزاءِ مَعَ أنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ لَطائِفُ:
الأُولى: أنَّ هَذا مِن أتَمِّ النِّعَمِ، فَجَعَلَها مِن بابِ الزِّيادَةِ الَّتِي مِنها الرُّؤْيَةُ عِنْدَ البَعْضِ ولا مُقابِلَ لَها مِنَ الأعْمالِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها مِن أتَمِّ النِّعَمِ؛ لِأنَّها نِعْمَةُ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما سَنُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ هو ما قالَ في سُورَةِ يس: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾[يس: ٥٨] فَلَمْ يَذْكُرْها فِيما جَعَلَهُ جَزاءً، وهَذا عَلى قَوْلِنا: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَدَأ بِأتَمِّ النِّعَمِ وهي نِعْمَةُ الرُّؤْيَةِ، وهي الرُّؤْيَةُ بِالنَّظَرِ كَما مَرَّ وخَتَمَ بِمِثْلِها، وهي نِعْمَةُ المُخاطَبَةِ. الثّالِثَةُ: هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الفِعْلِيَّةَ وقابَلَها بِأعْمالِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ النِّعَمَ القَوْلِيَّةَ في مُقابَلَةِ أذْكارِهِمُ الحَسَنَةِ ولَمْ يَذْكُرُوا اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةَ الَّتِي في مُقابَلَةِ أعْمالِ قُلُوبِهِمْ مِن إخْلاصِهِمْ واعْتِقادِهِمْ؛ لِأنَّ العَمَلَ القَلْبِيَّ لَمْ يُرَ ولَمْ يُسْمَعْ، فَما يُعْطِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعْمَةِ تَكُونُ نِعْمَةً لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولا سَمِعَتْها أُذُنٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا خَطَرَ إشارَةٌ إلى الزِّيادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى النِّعْمَةِ القَوْلِيَّةِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمُ الطَّيِّبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا﴾[فصلت: ٣٠] إلى قَوْلِهِ:
صفحة ١٣٩
﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾[فصلت: ٣٢] .المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾نَفْيٌ لِلْمَكْرُوهِ لِما أنَّ اللَّغْوَ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ المُعْتَبَرَينَ مِنَ الرِّجالِ مَكْرُوهٌ، ونَفْيُ المَكْرُوهِ لا يُعَدُّ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها، كَيْفَ وقَدْ ذَكَرْتَ أنَّ تَأْخِيرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ لِكَوْنِها أتَمَّ، ولَوْ قالَ: إنَّ فُلانًا في بَلْدَةِ كَذا مُحْتَرَمٌ مُكَرَّمٌ لا يُضْرَبُ ولا يُشْتَمُ فَهو غَيْرُ مُكَرَّمٍ وهو مَذْمُومٌ، والواغِلُ مَذْمُومٌ وهو الَّذِي يَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ يَشْرَبُونَ ويَأْكُلُونَ فَيَأْكُلُ ويَشْرَبُ مَعَهم مِن غَيْرِ دُعاءٍ ولا إذْنٍ فَكَأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وهو اللَّغْوُ، وكَذَلِكَ ما يَتَصَرَّفُ مِنهُ مِثْلُ الوُلُوغِ لا يُقالُ إلّا إذا كانَ الوالِغُ كَلْبًا أوْ ما يُشْبِهُهُ مِنَ السِّباعِ، وأمّا التَّأْثِيمُ فَهو النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ ومَعْناهُ لا يَذْكُرُ إلّا باطِلًا ولا يَنْسُبُهُ أحَدٌ إلّا إلى الباطِلِ، وأمّا التَّقْدِيمُ فَلِأنَّ اللَّغْوَ أعَمُّ مِنَ التَّأْثِيمِ أيْ يَجْعَلُهُ آثِمًا كَما تَقُولُ: إنَّهُ فاسِقٌ أوْ سارِقٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالمُتَكَلِّمُ يَنْقَسِمُ إلى أنْ يَلْغُوَ وإلى أنْ لا يَلْغُوَ والَّذِي لا يَلْغُو يَقْصِدُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، فَيَأْخُذُ النّاسَ بِأقْوالِهِمْ وهو لا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقالَ تَعالى: لا يَلْغُو أحَدٌ ولا يَصْدُرُ