< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَرْكُهُ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ إلَهًا فَإثْباتُ الشَّرِيكِ يُفْضِي إلى نَفْيِ الإلَهِ فَقَوْلُهُ:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تَوْحِيدٌ بِالدَّلِيلِ ولَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ تَوْحِيدٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وشَيْءٌ مِن هَذا رَأيْتُهُ في كَلامِ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَما فَرَغْتُ مِن كِتابَةِ هَذا مِمّا وافَقَ خاطِرِي خاطِرَهُ عَلى أنِّي مُعْتَرِفٌ بِأنِّي أصَبْتُ مِنهُ فَوائِدَ لا أُحْصِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ إشارَةٌ إلى غايَةِ صَفائِهِنَّ أيِ اللُّؤْلُؤِ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ لَوْنَهُ الشَّمْسُ والهَواءُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

وفِي نَصْبِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وهو ظاهِرٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَ بِهِمْ هَذا لِيَقَعَ جَزاءً ولِيُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ، وعَلى هَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنْ نَقُولَ: المَعْنى أنَّ هَذا كُلَّهُ جَزاءُ عَمَلِكم وأمّا الزِّيادَةُ فَلا يُدْرِكُها أحَدٌ مِنكم،

وثانِيهِما: أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ فَهو جَزاءٌ فَكَأنَّهُ قالَ: تُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا﴾ قَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ في سُورَةِ الطُّورِ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي حَقِّ الكافِرِينَ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التحريم: ٧] إشارَةً إلى أنَّ العَذابَ عَيْنُ جَزاءِ ما فَعَلُوا فَلا زِيادَةَ عَلَيْهِمْ، والثَّوابَ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَلا يُعْطِيهِمُ اللَّهُ عَيْنَ عَمَلِهِمْ، بَلْ يُعْطِيهِمْ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ ما يُعْطِيهِمْ، والكافِرُ يُعْطِيهِ عَيْنَ ما فَعَلَ، فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾[الأنعام: ١٦٠] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أُصُولِيَّةٌ ذَكَرَها الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها

صفحة ١٣٧

فالأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنْ يُقالَ: الثَّوابُ عَلى اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَجُوزُ المُطالَبَةُ بِهِ، وقَدْ أجابَ عَنْهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ، وأظُنُّ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ما أقُولُهُ فِيهِ وهو ما ذَكَرُوهُ. ولَوْ صَحَّ لَما كانَ في الوَعْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ فائِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ إذا حَكَمَ بِأنَّ تَرْكَ الجَزاءِ قَبِيحٌ وعُلِمَ بِالعَقْلِ أنَّ القَبِيحَ مِنَ اللَّهِ لا يُوجَدُ، عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يُعْطِي هَذِهِ الأشْياءَ لِأنَّها أجْزِيَةٌ، وإيصالُ الجَزاءِ واجِبٌ، وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِنا تَكُونُ الآياتُ مُفِيدَةً مُبَشِّرَةً؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالخَيْرِ عَنْ أمْرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، لا يُقالُ: الجَزاءُ كانَ واجِبًا عَلى اللَّهِ وأمّا الخَبَرُ بِهَذِهِ الأشْياءِ فَلا يَذْكُرُها مُبَشِّرًا، لِأنّا نَقُولُ: إذا وجَبَ نَفْسُ الجَزاءِ فَما أعْطانا اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ في الدُّنْيا جَزاءً فَثَوابُ الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا تَفَضُّلًا مِنهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ تَعالى كَمَّلَ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ: هَذا جَزاؤُكم، أيْ جَعَلْتُهُ لَكم جَزاءً، ولَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا ولا واجِبًا، كَما أنَّ الكَرِيمَ إذا أعْطى مَن جاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ شَيْئًا كَثِيرًا، فَيَظُنُّ أنَّهُ يُودِعُهُ إيداعًا أوْ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِهِ إلى مَوْضِعٍ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذا لَكَ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ إنَّهُ يَقُولُ: هَذا إنْعامٌ عَظِيمٌ يُوجِبُ عَلَيَّ خِدْمَةً كَثِيرَةً، فَيَقُولُ لَهُ هَذا جَزاءُ ما أتَيْتَ بِهِ، ولا أطْلُبُ مِنكَ عَلى هَذا خِدْمَةً، فَإنْ أتَيْتَ بِخِدْمَةٍ فَلَها ثَوابٌ جَدِيدٌ، فَيَكُونُ هَذا غايَةَ الفَضْلِ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَذا كُلُّهُ إذا كانَ الآتِي غَيْرَ العَبْدِ، وأمّا إذا فَعَلَ العَبْدُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أجْرًا، ولا سِيَّما إذا أتى بِما أمَرَ بِهِ عَلى نَوْعِ اخْتِلالٍ، فَما ظَنُّكَ بِحالِنا مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مَعَ أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ مِن عَبْدِهِ إلّا البِنْيَةَ، واللَّهُ تَعالى يَمْلِكُ مِنّا أنْفُسَنا وأجْسامَنا،