< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فالمَرْوِيُّ أنَّ الطّائِرَ يَطِيرُ فَتَمِيلُ نَفْسُ المُؤْمِنِ إلى لَحْمِهِ فَيَنْزِلُ مَشْوِيًّا ومَقْلِيًّا عَلى حَسَبِ ما يَشْتَهِيهِ، فالحاصِلُ أنَّ الفاكِهَةَ تَحْضُرُ عِنْدَهم فَيَتَخَيَّرُ المُؤْمِنُ بَعْدَ الحُضُورِ واللَّحْمُ يَطْلُبُهُ المُؤْمِنُ وتَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِها، واللَّحْمُ لا تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّ في اللَّفْظِ لَطِيفَةً، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ:﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِمّا يَخْتارُونَ مَعَ قُرْبِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ في المَعْنى، وهو أنَّ التَّخَيُّرَ مِن بابِ التَّكَلُّفِ فَكَأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَكُونُ في نِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا مِمَّنْ لا يَكُونُ لَهُ حاجَةٌ ولا اضْطِرارٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الفاكِهَةِ عَلى اللَّحْمِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: العادَةُ في الدُّنْيا التَّقْدِيمُ لِلْفَواكِهِ في الأكْلِ والجَنَّةُ وُضِعَتْ بِما عُلِمَ في الدُّنْيا مِنَ الأوْصافِ وعَلى ما عُلِمَ فِيها، ولا سِيَّما عادَةُ أهْلِ الشُّرْبِ، وكَأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ شُرْبِ أهْلِ الجَنَّةِ.

وثانِيها: الحِكْمَةُ في الدُّنْيا تَقْتَضِي أكْلَ الفاكِهَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّها ألْطَفُ وأسْرَعُ انْحِدارًا وأقَلُّ حاجَةً إلى المُكْثِ الطَّوِيلِ في المَعِدَةِ لِلْهَضْمِ، ولِأنَّ الفاكِهَةَ تُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْأكْلِ واللَّحْمُ يَدْفَعُها.

وثالِثُها: يَخْرُجُ مِمّا ذَكَرْنا جَوابًا خَلا عَنْ لَفْظِ التَّخْيِيرِ والِاشْتِهاءِ، هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفاكِهَةَ دائِمَةُ الحُضُورِ والوُجُودِ، واللَّحْمَ يُشْتَهى ويَحْضُرُ عِنْدَ الِاشْتِهاءِ دَلَّ هَذا عَلى عَدَمِ الجُوعِ؛ لِأنَّ الجائِعَ حاجَتُهُ إلى اللَّحْمِ أكْثَرُ مِنَ اخْتِيارِهِ اللَّحْمَ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ لِأنَّ الحالَ في الجَنَّةِ يُشْبِهُ حالَ الشَّبْعانِ في الدُّنْيا فَيَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ أكْثَرَ فَقَدَّمَها، وهَذا الوَجْهُ أصَحُّ؛ لِأنَّ مِنَ الفَواكِهِ ما لا يُؤْكَلُ إلّا بَعْدَ الطَّعامِ، فَلا يَصِحُّ الأوَّلُ جَوابًا في الكُلِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ .

وفِيها قِراءاتٌ: الأُولى: الرَّفْعُ وهو المَشْهُورُ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى ”وِلْدانٌ“، فَإنْ قِيلَ قالَ قَبْلَهُ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾[الرحمن: ٧٢] إشارَةً إلى كَوْنِها مُخَدَّرَةً ومَسْتُورَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ”وِلْدانٌ“ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنْ نَقُولَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِمْ في اللَّفْظِ لا في المَعْنى، أوْ في المَعْنى عَلى التَّقْدِيرِ والمَفْهُومِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ﴾ مَعْناهُ لَهم وِلْدانٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ فَيَكُونُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِمَعْنى ولَهم حُورٌ عِينٌ.

وثانِيهِما: وهو أنْ يُقالَ: لَيْسَتِ الحُورُ مُنْحَصِراتٍ في جِنْسٍ، بَلْ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في حَظائِرَ مُعَظَّماتٌ ولَهُنَّ جَوارٍوَخَوادِمُ، وحُورٌ تَطُوفُ مَعَ الوِلْدانِ السُّقاةِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ ونِساءٌ. الثّانِيَةُ: الجَرُّ عَطْفًا عَلى أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُطافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ أوْ عَطْفًا عَلى: ﴿جَنّاتِ﴾ أيْ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾﴿وحُورٌ﴾ وقُرِئَ ”حُورًا عِينًا“ بِالنَّصْبِ، ولَعَلَّ الحاصِلَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى غَيْرِ العَطْفِ بِمَعْنى العَطْفِ لَكِنَّ هَذا القارِئَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ ناصِبٍ فَيَقُولُ: يُؤْتَوْنَ حُورًا فَيُقالُ: قَدْ رافِعًا، فَقالَ: ولَهم حُورٌ عِينٌ فَلا يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَنْ مُوافَقَةِ العاطِفِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمِثْلُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، فَلَوْ قالَ: أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لَمْ يَكُنْ إلى الكافِ حاجَةٌ، فَما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ يُفِيدانِ التَّأْكِيدَ والزِّيادَةَ في التَّشْبِيهِ، فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لا يُفِيدانِ ما يُفِيدُ أحَدُهُما؛ لِأنَّكَ إنْ قُلْتَ مَثَلًا: هو كاللُّؤْلُؤَةِ لِلْمُشَبَّهِ، دُونَ المُشَبَّهِ بِهِ في الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ التَّشْبِيهُ ؟ نَقُولُ: التَّحْقِيقُ فِيهِ، هو أنَّ الشَّيْءَ