< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾[الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ نِعَمَ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ خَتَمَ نِعَمَ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: