< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ:﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾[الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾[الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ