< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أوَّلُ ما وُضِعَ لِلْعُضْوِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ واشْتُقَّ مِنهُ غَيْرُهُ، ويَعْرِفُ ذَلِكَ العارِفُ بِالتَّصْرِيفِ البارِعِ في الأدَبِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ: ويَبْقى رَبُّكَ أوِ اللَّهُ أوْ غَيْرُهُ فَحَصَلَتِ الفائِدَةُ مِن غَيْرِ وُقُوعٍ في تَوَهُّمِ ما هو ابْتِداعٌ، نَقُولُ: ما كانَ يَقُومُ مَقامَ الوَجْهِ لَفَظٌ آخَرُ ولا وجْهَ فِيهِ إلّا ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ سائِرَ الأسْماءِ المَعْرُوفَةِ لِلَّهِ تَعالى أسْماءُ الفاعِلِ كالرَّبِّ والخالِقِ، واللَّهُ عِنْدَ البَعْضِ بِمَعْنى المَعْبُودِ، فَلَوْ قالَ: ويَبْقى رَبُّكَ رَبُّكَ، وقَوْلُنا: رَبُّكَ مَعْنَيانِ عِنْدَ الِاسْتِعْمالِ أحَدُهُما أنْ يُقالَ: شَيْءٌ مِن كُلِّ رَبِّكَ، ثانِيهِما أنْ يُقالَ: يَبْقى رَبُّكَ مَعَ أنَّهُ حالَةَ البَقاءِ رَبُّكَ فَيَكُونُ المَرْبُوبَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: يَبْقى الخالِقُ والرّازِقُ وغَيْرُهُما.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في لَفْظِ الرَّبِّ وإضافَةِ الوَجْهِ إلَيْهِ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾[البقرة: ١١٥] وقالَ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾[الروم: ٣٨] ؟ نَقُولُ: المُرادُ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هو العِبادَةُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فَظاهِرٌ لِأنَّ المَذْكُورَ هُناكَ الصَّلاةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ فالمَذْكُورُ هو الزَّكاةُ، قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾[الروم: ٣٨]﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ ولَفْظُ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى العِبادَةِ، لِأنَّ اللَّهَ هو المَعْبُودُ، والمَذْكُورُ في هَذا المَوْضِعِ النِّعَمُ الَّتِي بِها تَرْبِيَةُ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعَ كُلِّ أحَدٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ أيُّها السّامِعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ خِطابًا مَعَ الِاثْنَيْنِ، وقالَ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ خِطابًا مَعَ الواحِدِ ؟ نَقُولُ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ وقَعَتِ الإشارَةُ إلى فَناءِ كُلِّ أحَدٍ، وبَقاءِ اللَّهِ فَقالَ ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ أيُّها السّامِعُ فَلا تَلْتَفِتْ إلى أحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ كُلَّ مَن عَداهُ فانٍ، والمُخاطِبُ كَثِيرًا ما يَخْرُجُ عَنِ الإرادَةِ في الكَلامِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: لِمَن يَشْكُو إلَيْكَ مِن أهْلِ مَوْضِعٍ سَأُعاقِبُ لِأجْلِكَ كُلَّ مَن في ذَلِكَ المَوْضِعِ. يَخْرُجُ المُخاطِبُ عَنِ الوَعِيدِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ المَوْضِعِ فَقالَ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِيُعْلِمَ كُلَّ أحَدٍ أنَّ غَيْرَهُ فانٍ، ولَوْ قالَ: وجْهُ رَبِّكُما لَكانَ كُلُّ واحِدٍ يُخْرِجُ نَفْسَهُ ورَفِيقَهُ المُخاطَبَ مِنَ الفَناءِ، فَإنْ قُلْتَ: لَوْ قالَ ”ويَبْقى وجْهُ الرَّبِّ“ مِن غَيْرِ خِطابٍ كانَ أدَلَّ عَلى فَناءِ الكُلِّ ؟ نَقُولُ: كَأنَّ الخِطابَ في الرَّبِّ إشارَةٌ إلى اللُّطْفِ والإبْقاءَ إشارَةٌ إلى القَهْرِ، والمَوْضِعُ مَوْضُعُ بَيانِ اللُّطْفِ

صفحة ٩٥

وتَعْدِيدِ النِّعَمِ، فَلَوْ قالَ: بِلَفْظِ الرَّبِّ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ، وفي لَفْظِ الرَّبِّ عادَةٌ جارِيَةٌ وهي أنَّهُ لا يُتْرَكُ اسْتِعْمالُهُ مَعَ الإضافَةِ. فالعَبْدُ يَقُولُ لِي: رَبَّنا اغْفِرْ لَنا، ورَبِّ اغْفِرْ لِي، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ﴾[الشعراء: ٢٦] و﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾[الأنعام: ٤٥] وحَيْثُ تَرَكَ الإضافَةَ ذَكَرَهُ مَعَ صِفَةٍ أُخْرى مِن أوْصافِ اللَّفْظِ، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾[سبأ: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾[يس: ٥٨]ولَفْظُ الرَّبِّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ، يُقالُ: رَبَّهُ يُرَبِّهِ رَبًّا مِثْلَ رَبّاهُ يُرَبِّيهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مِنَ الرَّبِّ الَّذِي هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرّابِّ كالطِّبِّ لِلطَّبِيبِ، والسَّمْعِ لِلْحاسَّةِ، والبُخْلِ لِلْبَخِيلِ، وأمْثالُ ذَلِكَ لَكِنْ مِن بابِ فَعَلَ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَأنَّهُ فَعَلَ مِن بابِ فَعَلَ يَفْعَلُ أيْ فَعَلَ الَّذِي لِلْغَرِيزِيِّ كَما يُقالُ فِيما إذا قُلْنا: فُلانٌ أعْلَمُ وأحْكَمُ،