< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المَنعُ مِنَ الوُثُوقِ بِما يَكُونُ لِلْمَرْءِ فَلا يَقُولُ: إذا كانَ في نِعْمَةٍ إنَّها لَنْ تَذْهَبَ فَيَتْرُكَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى مالِهِ ومُلْكِهِ، (ومِنها): الأمْرُ بِالصَّبْرِ إنْ كانَ في ضُرٍّ فَلا يَكْفُرُ بِاللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى أنَّ الأمْرَ ذاهِبٌ والضُّرَّ زائِلٌ، ومِنها: تَرْكُ اتِّخاذِ الغَيْرِ مَعْبُودًا والزَّجْرُ عَلى الِاغْتِرارِ بِالقُرْبِ مِنَ المُلُوكِ وتَرْكِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّ أمْرَهم إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ، فَيَبْقى القَرِيبُ مِنهم عَنْ قَرِيبٍ في نَدَمٍ عَظِيمٍ، لِأنَّهُ إنْ ماتَ قَبْلَهم يَلْقى اللَّهَ كالعَبْدِ الآبِقِ، وإنْ ماتَ المَلِكُ قَبْلَهُ فَيَبْقى بَيْنَ الخَلْقِ وكُلُّ أحَدٍ يَنْتَقِمُ مِنهُ ويَتَشَفّى فِيهِ، ويَسْتَحِي مِمَّنْ كانَ يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، وإنْ ماتا جَمِيعًا فَلِقاءُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوَفِّي في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، (ومِنها): الحَثُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الفانِيَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَجْهُ يُطْلَقُ عَلى الذّاتِ والمُجَسِّمُ يَحْمِلُ الوَجْهَ عَلى العُضْوِ وهو خِلافُ العَقْلِ والنَّقْلِ أعْنِي القُرْآنَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾[القصص: ٨٨] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَبْقى إلّا وجْهُ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القَوْلِ الحَقِّ لا إشْكالَ فِيهِ لِأنَّ المَعْنى لا يَبْقى غَيْرُ حَقِيقَةِ اللَّهِ أوْ غَيْرُ ذاتِ اللَّهِ شَيْءٌ وهو كَذَلِكَ، وعَلى قَوْلِ المُجَسِّمِ يَلْزَمُ أنْ لا تَبْقى يَدُهُ الَّتِي أثْبَتَها ورِجْلُهُ الَّتِي قالَ بِها، لا يُقالُ: فَعَلى قَوْلِكم أيْضًا يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى عِلْمُ اللَّهِ ولا قُدْرَةُ اللَّهِ، لِأنَّ الوَجْهَ جَعَلْتُمُوهُ ذاتًا، والذّاتُ غَيْرُ الصِّفاتِ فَإذا قُلْتَ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا حَقِيقَةَ اللَّهِ، خَرَجَتِ الصِّفاتُ عَنْها، فَيَكُونُ قَوْلُكم نَفْيًا لِلصِّفاتِ. نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَذَلِكَ أمْرٌ يُذْكَرُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ قَوْلَ القائِلِ: لَمْ يَبْقَ لِفُلانٍ إلّا ثَوْبٌ يَتَناوَلُ الثَّوْبَ وما قامَ بِهِ مِنَ اللَّوْنِ والطُّولِ والعَرْضِ، وإذا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا كُمُّهُ لا يَدُلُّ عَلى بَقاءِ جَيْبِهِ وذَيْلِهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُنا: يَبْقى ذاتُ اللَّهِ تَعالى يَتَناوَلُ صِفاتِهِ، وإذا قُلْتُمْ: لا يَبْقى غَيْرُ وجْهِهِ بِمَعْنى العُضْوِ يَلْزَمُهُ أنْ لا تَبْقى يَدُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَما السَّبَبُ في حُسْنِ إطْلاقِ لَفْظِ الوَجْهِ عَلى الذّاتِ ؟ نَقُولُ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن عُرْفِ النّاسِ،
صفحة ٩٤
فَإنَّ الوَجْهَ يُسْتَعْمَلُ في العُرْفِ لِحَقِيقَةِ الإنْسانِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى وجْهَ غَيْرِهِ يَقُولُ: رَأيْتُهُ، وإذا رَأى غَيْرَ الوَجْهِ مِنَ اليَدِ والرِّجْلِ مَثَلًا لا يَقُولُ رَأيْتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اطِّلاعَ الإنْسانَ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ في أكْثَرِ الأمْرِ يَحْصُلُ بِالحِسِّ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا رَأىَ شَيْئًا عَلِمَ مِنهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حالَ غَيْبَتِهِ، لِأنَّ الحِسَّ لا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ المَرْئِيِّ وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ إنَّ الحِسَّ يُدْرِكُ والحَدْسَ يَحْكُمُ، فَإذا رَأىَ شَيْئًا بِحِسِّهِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأمْرٍ بِحَدْسِهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ اجْتَمَعَ في وجْهِهِ أعْضاءٌ كَثِيرَةٌ كُلُّ واحِدٍ يَدُلُّ عَلى أمْرٍ، فَإذا رَأى الإنْسانُ وجْهَ الإنْسانِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأحْكامٍ ما كانَ يَحْكُمُ بِها لَوْلا رُؤْيَتُهُ وجْهَهُ، فَكانَ أدَلَّ عَلى حَقِيقَةِ الإنْسانِ وأحْكامِهِ مِن غَيْرِهِ، فاسْتُعْمِلَ الوَجْهُ في الحَقِيقَةِ في الإنْسانِ ثُمَّ نُقِلَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما لَيْسَ بِجِسْمٍ، يُقالُ في الكَلامِ هَذا وجْهٌ حَسَنٌ وهَذا وجْهٌ ضَعِيفٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الوَجْهَ مِنَ المُواجَهَةِ كَما هو المَسْطُورُ في البَعْضِ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إذِ الأمْرُ عَلى العَكْسِ، لِأنَّ الفِعْلَ مِنَ المَصْدَرِ والمَصْدَرَ مِنَ الِاسْمِ الأصْلِيِّ وإنْ كانَ بِالنَّقْلِ، فالوَجْهُ