< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يُفْضِي إلى خَلَلٍ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ فَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ الواحِدِ بِالكَرِيمِ والوَدُودِ، ولا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِالخالِقِ والقَدِيمِ؛ لِأنَّ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ غَيْرُ مَلْحُوظٍ فِيهِ المَعْنى يَجُوزُ، وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنًى هو قائِمٌ بِهِ كالقُدْرَةِ الَّتِي بِها بَقاءُ الخَلْقِ أوِ العَدَمِ فَلا يَجُوزُ، لَكِنِ اسْمُ المَعْبُودِ مِن هَذا القَبِيلِ فَلا يَجُوزُ التَّسْمِيةُ بِهِ، فَأحَدُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقٌّ، وقَوْلُهم مَعَ الألِفِ واللّامِ عَلَمٌ لَيْسَ بِحَقٍّ. إذا عَرَفْتَ البَحْثَ في اللَّهِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وهو أنَّ الرَّحْمَنَ اسْمٌ عَلى أضْعَفَ مِنهُ، وتَجْوِيزُ يا الرَّحْمَنُ أضْعَفُ مِنَ الكُلِّ.
البَحْثُ الثّانِي: اللَّهُ والرَّحْمَنُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كالِاسْمِ الأوَّلِ والوَصْفُ الغالِبُ الَّذِي يَصِيرُ كالِاسْمِ بَعْدَ الِاسْمِ الأوَّلِ كَما في قَوْلِنا: عُمَرُ الفارُوقُ، وعَلِيٌّ المُرْتَضى ومُوسى الرِّضا، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نَجِدُهُ في أسْماءِ الخُلَفاءِ وأوْصافِهِمُ المُعَرِّفَةِ لَهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم وصْفًا وخَرَجَتْ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ عَنِ الوَصْفِيَّةِ، حَتّى إنَّ الشَّخْصَ وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ أوْ فارَقَهُ الوَصْفُ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ كالعَلَمِ. فَإذَنْ لِلرَّحْمَنِ اخْتِصاصٌ بِاللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ لِتِلْكَ الأوْصافِ اخْتِصاصًا بِأُولَئِكَ غَيْرَ أنَّ في تِلْكَ الأسْماءِ والأوْصافِ جازَ الوَضْعُ لِما بَيَّنّا، حَيْثُ اسْتَوى النّاسُ في الِاقْتِدارِ والعَظَمَةِ، ولا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: إنَّ مِنَ النّاسِ مَن أطْلَقَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ عَلى اليَمامِيِّ، نَقُولُ: هو كَما أنَّ مِنَ النّاسِ مَن أطْلَقَ لَفْظَ الإلَهِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعَدِّيًا وكُفْرًا، نَظَرًا إلى جَوازِهِ لُغَةً، وهو اعْتِقادٌ باطِلٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِلَّهِ تَعالى رَحْمَتانِ سابِقَةٌ ولاحِقَةٌ، فالسّابِقَةُ هي الَّتِي بِها خَلَقَ الخَلْقَ، واللّاحِقَةُ هي الَّتِي أعْطى بِها الخَلْقَ بَعْدَ إيجادِهِ إيّاهم مِنَ الرِّزْقِ والفِطْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو تَعالى بِالنَّظَرِ إلى الرَّحْمَةِ السّابِقَةِ رَحْمَنٌ، وبِالنَّظَرِ إلى اللّاحِقَةِ رَحِيمٌ، ولِهَذا يُقالُ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا ورَحِيمَ الآخِرَةِ، فَهو رَحْمَنٌ، لِأنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ أوَّلًا بِرَحْمَتِهِ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدْ في غَيْرِهِ هَذِهِ الرَّحْمَةَ ولَمْ يَخْلُقْ أحَدٌ أحَدًا لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ لِغَيْرِهِ: رَحْمَنٌ، ولَمّا تَخَلَّقَ الصّالِحُونَ مِن عِبادِهِ بِبَعْضِ أخْلاقِهِ عَلى قَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأطْعَمَ الجائِعَ وكَسا العارِيَ، وُجِدَ شَيْءٌ مِنَ الرَّحْمَةِ اللّاحِقَةِ الَّتِي بِها الرِّزْقُ والإعانَةُ، فَجازَ أنْ يُقالَ لَهُ رَحِيمٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا كُلَّهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، غَيْرَ أنّا أرَدْنا أنْ يَصِيرَ ما ذَكَرْنا [ هُنا ] مَضْمُومًا إلى ما ذَكَرْناهُ هُناكَ، فَأعَدْناهُ هَهُنا لِأنَّ هَذا كُلَّهُ كالتَّفْصِيلِ لِما ذَكَرْناهُ في الفاتِحَةِ.
صفحة ٧٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (الرَّحْمَنُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ وقِيلَ (الرَّحْمَنُ) [ خَبَرُ ] مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ هو الرَّحْمَنُ، ثُمَّ أتى بِجُمْلَةٍ بَعْدَ جُمْلَةٍ فَقالَ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ والأوَّلُ أصَحُّ، وعَلى القَوْلِ الضَّعِيفِ الرَّحْمَنُ آيَةٌ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مَفْعُولٍ ثانٍ فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قِيلَ: عَلَّمَ بِمَعْنى جَعَلَهُ عَلامَةً أيْ هو عَلامَةُ النُّبُوَّةِ ومُعْجِزَةٌ، وهَذا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾[القمر: ١] عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ ذَكَرَ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ مُعْجِزَةً مِن بابِ الهَيْئَةِ وهو أنَّهُ شَقَّ ما لا يَشُقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً مِن بابِ الرَّحْمَةِ، وهو أنَّهُ نَشَرَ مِنَ العُلُومِ ما لا يَنْشُرُهُ غَيْرُهُ، وهو ما في القُرْآنِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الجَوابِ فَفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يُعَلَّمُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾[القمر: ٤٠]والتَّعْلِيمُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ. يُقالُ: إنْ أُنْفِقَ عَلى مُتَعَلِّمٍ وأُعْطِيَ أُجْرَةً عَلى تَعْلِيمِهِ