< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الجِنُّ اسْمُ الجِنْسِ كالمِلْحِ والجانُّ مِثْلُ الصِّفَةِ كالمالِحِ.

وفِيهِ بَحْثٌ: وهو أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جُنَّ الرَّجُلُ ولا يُعْلَمُ لَهُ فاعِلٌ يُبْنى الفِعْلُ مَعَهُ عَلى المَذْكُورِ، وأصْلُ ذَلِكَ جَنَّهُ الجانُّ فَهو مَجْنُونٌ، فَلا يُذْكَرُ الفاعِلُ لِعَدَمِ العِلْمِ بِهِ، ويُقْتَصَرُ عَلى قَوْلِهِمْ: جُنَّ فَهو مَجْنُونٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القائِلَ الأوَّلَ لا يَقُولُ: الجانُّ اسْمُ عَلَمٍ؛ لِأنَّ الجانَّ لِلْجِنِّ كَآدَمَ لَنا، وإنَّما يَقُولُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الجانِّ أبُوهم، كَما أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ أبُونا آدَمُ، فالأوَّلُ مِنّا خُلِقَ مِن صَلْصالٍ، ومَن بَعْدَهُ خُلِقَ مِن صُلْبِهِ، كَذَلِكَ الجِنُّ الأوَّلُ خُلِقَ مِن نارٍ، ومَن بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ خُلِقَ مِن مارِجٍ، والمارِجُ المُخْتَلِطُ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المارِجَ هو النّارُ المَشُوبَةُ بِدُخانٍ. والثّانِي: النّارُ الصّافِيَةُ. والثّانِي أصَحُّ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ: فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ أيْ نارٍ مارِجَةٍ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: هو مَصُوغٌ مِن ذَهَبٍ، فَإنَّ قَوْلَهُ مِن ذَهَبٍ فِيهِ بَيانُ تَناسُبِ الأخْلاطِ، فَيَكُونُ المَعْنى الكُلُّ مِن ذَهَبٍ غَيْرَ أنَّهُ يَكُونُ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً مُخْتَلِطَةً بِخِلافِ ما إذا قُلْتَ: هَذا قَمْحٌ مُخْتَلِطٌ فَلَكَ أنْ تَقُولَ: مُخْتَلِطٌ بِماذا ؟ فَيَقُولُ: مِن كَذا وكَذا، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن قَمْحٍ وكانَ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ أيْضًا لَكانَ اقْتِصارُهُ عَلَيْهِ مُخْتَلِطًا بِما طُلِبَ مِنَ البَيانِ. وأمّا المَعْنى: فَلَأنَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ مِن طِينٍ حَرٍّ، كَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ الجانِّ مِن نارٍ خالِصَةٍ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: ﴿مارِجٍ﴾ بِمَعْنى مُخْتَلَطٍ مَعَ أنَّهُ خالِصٌ ؟ نَقُولُ: النّارُ إذا قَوِيَتِ التَهَبَتْ، ودَخَلَ بَعْضُها في بَعْضٍ كالشَّيْءِ المُمْتَزِجِ امْتِزاجًا جَيِّدًا لا تُمَيِّزُ فِيهِ بَيْنَ الأجْزاءِ المُخْتَلِطَةِ، وكَأنَّهُ مِن حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ كَما في الطِّينِ المُخْتَمِرِ، وذَلِكَ يَظْهَرُ في التَّنُّورِ المَسْجُورِ، إنْ قَرُبَ مِنهُ الحَطَبُ تَحْرِقُهُ فَكَذَلِكَ ”مارِجٌ“ بَعْضُها بِبَعْضٍ لا يُعْقَلُ بَيْنَ أجْزائِها دُخانٌ وأجْزاءٌ أرْضِيَّةٌ، وسَنُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ تَعْدِيدُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، فَما وجْهُ بَيانِ خَلْقِ الجانِّ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: (رَبُّكُما) خِطابٌ مَعَ الإنْسِ والجِنِّ يُعَدِّدُ عَلَيْهِما النِّعَمَ بَلْ عَلى الإنْسانِ وحْدَهُ.

ثانِيها: أنَّهُ بَيانُ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ، حَيْثُ بَيَّنَ أنَّهُ خُلِقَ مِن أصْلٍ كَثِيفٍ كَدِرٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن أصْلٍ لَطِيفٍ، وجُعِلَ الإنْسانُ أفْضَلَ مِنَ الجانِّ، فَإنَّهُ إذا نَظَرَ إلى أصْلِهِ، عَلِمَ أنَّهُ ما نالَ الشَّرَفَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُكَذِّبُ بِآلاءِ اللَّهِ.

ثالِثُها: أنَّ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ لِبَيانِ القُدْرَةِ لا لِبَيانِ النِّعْمَةِ، وكَأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ النِّعَمَ الثَّمانِيَةَ الَّتِي ذَكَرَها في أوَّلِ السُّورَةِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ الثَّمانِيَةَ لِبَيانِ خُرُوجِها عَنِ العَدَدِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبْعَةٌ ودُخُولُها في الزِّيادَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها الثَّمانِيَةُ كَما بَيَّنّا وقُلْنا إنَّ العَرَبَ عِنْدَ الثّامِنِ تَذْكُرُ الواوَ إشارَةً إلى أنَّ الثّامِنَ مِن جِنْسٍ آخَرَ، فَبَعْدَ تَمامِ السَّبْعَةِ الأُوَلِ

صفحة ٨٨

شَرَعَ في بَيانِ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، وقالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن تُرابٍ والجانَّ مِن نارٍ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ الكَثِيرَةِ المَذْكُورَةِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنَ السَّبْعَةِ، والَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الثّامِنَةُ: (تُكَذِّبانِ) وإذا نَظَرْتَ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الثَّمانِيَةُ وإلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ يَظْهَرُ لَكَ صِحَّةَ ما ذُكِرَ أنَّهُ بَيَّنَ قُدْرَتَهُ وعَظَمَتَهُ. ثُمَّ يَقُولُ: فَبِأيِّ تِلْكَ الآلاءِ الَّتِي عَدَدْتُها أوَّلًا تُكَذِّبانِ، وسَنَذْكُرُ تَمامَهُ عِنْدَ تِلْكَ الآياتِ.

* *

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ