< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَشْرَ مَرّاتٍ أضْعافَ مَرّاتِ ذِكْرِ العَذابِ إشارَةً إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾[الأنعام: ١٦٠] .
الثّالِثُ: أنَّ الثَّلاثِينَ مَرَّةً تَكْرِيرٌ بَعْدَ البَيانِ في المَرَّةِ الأُولى؛ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ الجِنِّ والإنْسِ، والنِّعَمُ مُنْحَصِرَةٌ في دَفْعِ المَكْرُوهِ وتَحْصِيلِ المَقْصُودِ، لَكِنَّ أعْظَمَ المَكْرُوهاتِ عَذابُ جَهَنَّمَ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾[الحجر: ٤٤] وأتَمُّ المَقاصِدِ نَعِيمُ الجَنَّةِ ولَها ثَمانِيَةُ أبْوابٍ، فَإغْلاقُ الأبْوابِ السَّبْعَةِ وفَتْحُ الأبْوابِ الثَّمانِيَةِ جَمِيعُهُ نِعْمَةٌ وإكْرامٌ، فَإذا اعْتَبَرْتَ تِلْكَ النِّعَمَ بِالنِّسْبَةِ إلى جِنْسَيِ الجِنِّ والإنْسِ تَبْلُغُ ثَلاثِينَ مَرَّةً وهي مَرّاتُ التَّكْرِيرِ لِلتَّقْرِيرِ، والمَرَّةُ الأُولى لِبَيانِ فائِدَةِ الكَلامِ، وهَذا مَنقُولٌ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ نِعَمَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما ذَكَرَهُ اقْتِصارًا عَلى بَيانِ نِعَمِ الآخِرَةِ.
الرّابِعُ: هو أنَّ أبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ سَبْعَ آياتٍ تَتَعَلَّقُ بِالتَّخْوِيفِ مِنَ النّارِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾[الرحمن: ٣١]، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾[الرحمن: ٤٤] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ جَنَّتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾[الرحمن: ٤٦] ولِكُلِّ جَنَّةٍ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ تُفْتَحُ كُلُّها لِلْمُتَّقِينَ، وذَكَرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى ما ذَكَرْنا مِن آياتِ التَّخْوِيفِ ثَمانِيَ مَرّاتٍ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ سَبْعَ مَرّاتٍ لِلتَّقْرِيرِ بِالتَّكْرِيرِ اسْتِيفاءً لِلْعَدَدِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبْعَةٌ، وقَدْ بَيَّنّا سَبَبَ اخْتِصاصِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ وسَنُعِيدُ مِنهُ طَرَفًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَصارَ المَجْمُوعُ ثَلاثِينَ مَرَّةً المَرَّةُ الواحِدَةُ الَّتِي هي عَقِيبَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ لِبَيانِ المَعْنى وهو الأصْلُ والتَّكْثِيرُ تَكْرارٌ فَصارَ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ وفي الصَّلْصالِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو بِمَعْنى المَسْنُونِ مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، ويَكُونُ الصَّلْصالُ حِينَئِذٍ مِنَ الصُّلُولِ.
وثانِيهِما: مِنَ الصَّلِيلِ يُقالُ: صَلَّ الحَدِيدُ صَلِيلًا إذا حَدَثَ مِنهُ صَوْتٌ، وعَلى هَذا فَهو الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي يَقَعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَيَحْدُثُ فِيما بَيْنَهُما صَوْتٌ، إذْ هو الطِّينُ اللّازِبُ الحَرُّ الَّذِي إذا التَزَقَ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْهُ دَفْعَةً سُمِعَ مِنهُ عِنْدَ الِانْفِصالِ صَوْتٌ، فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ إذا خُلِقَ مِن صَلْصالٍ كَيْفَ ورَدَ في القُرْآنِ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ ووَرَدَ أنَّهُ خُلِقَ مِنَ الطِّينِ ومِن حَمَأٍ ومِن ماءٍ مَهِينٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ ﴿مِن تُرابٍ﴾ تارَةً، و﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أُخْرى، فَذَلِكَ بِاعْتِبارِ شَخْصَيْنِ آدَمُ خُلِقَ مِنَ الصَّلْصالِ ومِن حَمَأٍ وأوْلادُهُ خُلِقُوا مِن ماءٍ مَهِينٍ، ولَوْلا خَلْقُ آدَمَ لَما خُلِقَ أوْلادُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ خُلِقَ مِن حَمَأٍ بِمَعْنى أنَّ أصْلَهُ الَّذِي هو جَدُّهُ خُلِقَ مِنهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ و﴿مِن حَمَإٍ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقَ أوَّلًا مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ صارَ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ
صفحة ٨٧
لازِبًا، فَكَأنَّهُ خُلِقَ مِن هَذا ومِن ذاكَ، ومِن ذَلِكَ، والفَخّارُ الطِّينُ المَطْبُوخُ بِالنّارِ وهو الخَزَفُ مُسْتَعْمَلٌ عَلى أصْلِ الِاشْتِقاقِ، وهو مُبالَغَةُ الفاخِرِ كالعَلّامِ في العالِمِ، وذَلِكَ أنَّ التُّرابَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ التَّفَتُّتُ إذا صارَ بِحَيْثُ يُجْعَلُ ظَرْفَ الماءِ والمائِعاتِ ولا يَتَفَتَّتُ ولا يَنْقَعُ فَكَأنَّهُ يَفْخَرُ عَلى أفْرادِ جِنْسِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾وفي الجانِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو أبُو الجِنِّ كَما أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ هُنا هو أبُو الإنْسِ وهو آدَمُ. ثانِيهِما: هو الجِنُّ بِنَفْسِهِ، فالجانُّ والجِنُّ وصْفانِ مِن بابٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: مِلْحٌ ومالِحٌ، أوْ نَقُولُ