< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah053
An-Najm (53)
The Star, makkah, 62 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
[الأنبياء: ٣] فَإنَّ التَّقْدِيرَ والَّذِينَ ظَلَمُوا أسَرُّوا النَّجْوى، الَّذِينَ ظَلَمُوا، والجَزاءُ الأوْفى عَلى ما ذَكَرْنا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ الصّالِحِ، وإنْ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾[الإسراء: ٦٣] وعَلى ما قِيلَ يُجابُ أنَّ الأوْفى بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَإنَّ جَهَنَّمَ ضَرَرُها أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مَعَ نَفْعِ الآثامِ فَهي في نَفْسِها أوْفى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ثُمَّ“ لِتَراخِي الجَزاءِ أوْ لِتَراخِي الكَلامِ أيْ: ثُمَّ نَقُولُ يُجْزاهُ فَإنْ كانَ لِتَراخِي الجَزاءِ فَكَيْفَ يُؤَخَّرُ الجَزاءُ عَنِ الصّالِحِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الصّالِحُ ؟ نَقُولُ: الوَجْهانِ مُحْتَمَلانِ وجَوابُ
صفحة ١٦
السُّؤالِ هو أنَّ الوَصْفَ بِالأوْفى يَدْفَعُ ما ذَكَرْتَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مِن أوَّلِ زَمانٍ يَمُوتُ الصّالِحُ يَجْزِيهِ جَزاءً عَلى خَيْرِهِ ويُؤَخِّرُ لَهُ الجَزاءَ الأوْفى وهي الجَنَّةُ، أوْ نَقُولُ: الأوْفى إشارَةٌ إلى الزِّيادَةِ فَصارَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾[يونس: ٢٦] وهي الجَنَّةُ: ﴿وزِيادَةٌ﴾ وهي الرُّؤْيَةُ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ثُمَّ يُرْزَقُ الرُّؤْيَةَ، وهَذا الوَجْهُ يَلِيقُ بِتَفْسِيرِ اللَّفْظِ، فَإنَّ الأوْفى مُطْلَقٌ غَيْرُ مُبَيَّنٍ فَلَمْ يَقُلْ: أوْفى مِن كَذا، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوْفى مِن كُلِّ وافٍ ولا يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ لَطائِفَ في الآياتِ.
الأُولى: قالَ في حَقِّ المُسِيءِ: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وهو لا يَدُلُّ إلّا عَلى عَدَمِ الحِمْلِ عَنِ الوازِرَةِ، وهَذا لا يَلْزَمُ مِنهُ بَقاءُ الوِزْرِ عَلَيْها مِن ضَرُورَةِ اللَّفْظِ، لِجَوازِ أنْ يَسْقُطَ عَنْها ويَمْحُوَ اللَّهُ ذَلِكَ الوِزْرَ، فَلا يَبْقى عَلَيْها ولا يَتَحَمَّلُ عَنْها غَيْرُها، ولَوْ قالَ: لا تَزِرُ وازِرَةٌ إلّا وِزْرَ نَفْسِها كانَ مِن ضَرُورَةِ الِاسْتِثْناءِ أنَّها تَزِرُ، وقالَ في حَقِّ المُحْسِنِ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى، ولَمْ يَقُلْ: لَيْسَ لَهُ ما لَمْ يَسْعَ؛ لِأنَّ العِبارَةَ الثّانِيَةَ لَيْسَ فِيها أنَّ لَهُ ما سَعى، وفي العِبارَةِ الأُولى أنَّ لَهُ ما سَعى، نَظَرًا إلى الِاسْتِثْناءِ، وقالَ في حَقِّ المُسِيءِ بِعِبارَةٍ لا تَقْطَعُ رَجاءَهُ، وفي حَقِّ المُحْسِنِ بِعِبارَةٍ تَقْطَعُ خَوْفَهُ، كُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فَتْحُ الهَمْزَةِ عَلى العَطْفِ عَلى ما، يَعْنِي أنَّ هَذا أيْضًا في الصُّحُفِ وهو الحَقُّ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
الأُولى: ما المُرادُ مِنَ الآيَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ بَيانُ المَعادِ أيْ لِلنّاسِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وُقُوفٌ، وعَلى هَذا فَهو يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ”ثُمَّ يُجْزاهُ“ كَأنَّ قائِلًا قالَ لا تَرى الجَزاءَ، ومَتى يَكُونُ، فَقالَ: إنَّ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يُجازِي الشَّكُورَ ويَجْزِي الكَفُورَ.
وثانِيهِما: المُرادُ التَّوْحِيدُ، وقَدْ فَسَّرَ الحُكَماءُ أكْثَرَ الآياتِ الَّتِي فِيها الِانْتِهاءُ والرُّجُوعُ بِما سَنَذْكُرُهُ غَيْرَ أنَّ في بَعْضِها تَفْسِيرَهم غَيْرُ ظاهِرٍ، وفي هَذا المَوْضِعِ ظاهِرٌ، فَنَقُولُ: هو بَيانُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ لا تَجِدُ لَها بُدًّا مِن مُوجِدٍ، ثُمَّ إنَّ مُوجِدَها رُبَّما يُظَنُّ أنَّهُ مُمْكِنٌ آخَرُ كالحَرارَةِ الَّتِي تَكُونُ عَلى وجْهٍ يُظَنُّ أنَّها مِن إشْراقِ الشَّمْسِ أوْ مِنَ النّارِ فَيُقالُ: الشَّمْسُ والنّارُ مُمْكِنَتانِ فَمِمَّ وُجُودُهُما ؟ فَإنِ اسْتَنَدَتا إلى مُمْكِنٍ آخَرَ لَمْ يَجِدِ العَقْلُ بُدًّا مِنَ الِانْتِهاءِ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ فَهو واجِبُ الوُجُودِ فَإلَيْهِ يَنْتَهِي الأمْرُ فالرَّبُّ هو المُنْتَهى، وهَذا في هَذا المَوْضِعِ ظاهِرٌ مَعْقُولٌ مُوافِقٌ لِلْمَنقُولِ، فَإنَّ المَرْوِيَّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى، لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ»“ أيِ