< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِهِ المُؤْمِنُ ويَنْدَمُ في الحالِ وهو مِنَ اللَّمَمِ الَّذِي هو مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ كَأنَّهُ مَسَّهُ وفارَقَهُ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى:﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ . ثالِثُها: اللَّمَمُ الصَّغِيرُ مِنَ الذَّنْبِ مِن ألَمَّ إذا نَزَلَ نُزُولًا مِن غَيْرِ لُبْثٍ طَوِيلٍ، ويُقالُ: ألَمَّ بِالطَّعامِ إذا قَلَّلَ مِن أكْلِهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِنَ الفَواحِشِ وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اللَّمَمَ لَيْسَ مِنَ الفَواحِشِ.

وثانِيهِما: غَيْرُ مُنْقَطِعٍ لِما بَيَّنّا أنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ إذا نُظِرَتْ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى وما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَهي كَبِيرَةٌ وفاحِشَةٌ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾[الأعراف: ٢٨] غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْنى مِنها أُمُورًا يُقالُ: الفَواحِشُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ

صفحة ٩

إلّا ما اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ووَعَدَنا بِالعَفْوِ عَنْهُ.

ثانِيها: ﴿إلّا﴾ بِمَعْنى ”غَيْرَ“ وتَقْدِيرُهُ ”والفَواحِشَ غَيْرَ اللَّمَمِ“، وهَذا لِلْوَصْفِ إنْ كانَ لِلتَّمْيِيزِ كَما يُقالُ: الرِّجالُ غَيْرُ أُولِي الإرْبَةِ فاللَّمَمُ عَيْنُ الفاحِشَةِ، وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ كَما يُقالُ: الرِّجالُ غَيْرُ النِّساءِ جاءُونِي لِتَأْكِيدٍ وبَيانٍ ”فَلا“ .

وثالِثُها: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَقْرَبُونَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: لا يَقْرَبُونَهُ إلّا مُقارَبَةً مِن غَيْرِ مُواقَعَةٍ وهو اللَّمَمُ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ وذَلِكَ عَلى قَوْلِنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ المُحْسِنَ مُجْزى وذَنْبُهُ مَغْفُورٌ، ومُجْتَنِبَ الكَبائِرِ كَذَلِكَ ذَنَبُهُ الصَّغِيرُ مَغْفُورٌ، والمُقْدِمُ عَلى الكَبائِرِ إذا تابَ مَغْفُورُ الذَّنْبِ، فَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ لَمْ تَصِلُ إلَيْهِمْ مَغْفِرَةٌ إلّا الَّذِينَ أساءُوا وأصَرُّوا عَلَيْها، فالمَغْفِرَةُ واسِعَةٌ وفِيهِ مَعْنًى آخَرُ لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْرَجَ المُسِيءَ عَنِ المَغْفِرَةِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِضِيقٍ فِيها، بَلْ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ أرادَ اللَّهُ مَغْفِرَةَ كُلِّ مَن أحْسَنَ وأساءَ لَفَعَلَ، وما كانَ يَضِيقُ عَنْهم مَغْفِرَتُهُ، والمَغْفِرَةُ مِنَ السَّتْرِ، وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى قَبِيحٍ، وكُلُّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ إذا نَظَرْتَ في فِعْلِهِ ونِسْبَتِهِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَجِدُهُ مُقَصِّرًا مُسِيئًا، فَإنَّ مَن جازى المُنْعِمَ بِنِعَمٍ لا تُحْصى مَعَ اسْتِغْنائِهِ الظّاهِرِ وعَظَمَتِهِ الواضِحَةِ بِدِرْهَمٍ أوْ أقَلَّ مِنهُ يَحْتاجُ إلى سَتْرِ ما فَعَلَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ وفي المُناسَبَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو تَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ كَأنَّ العامِلَ مِنَ الكُفّارِ يَقُولُ: نَحْنُ نَعْمَلُ أُمُورًا في جَوْفِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، وفي البَيْتِ الخالِي، فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى ؟ فَقالَ: لَيْسَ عَمَلُكم أخْفى مِن أحْوالِكم وأنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم، واللَّهُ عالِمٌ بِتِلْكَ الأحْوالِ.

ثانِيها: هو إشارَةٌ إلى الضّالِّ والمُهْتَدِي حَصَلا عَلى ما هُما عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، فَإنَّ الحَقَّ عَلِمَ أحْوالَهم وهم في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، فَكَتَبَ عَلى البَعْضِ أنَّهُ ضالٌّ، والبَعْضِ أنَّهُ مُهْتَدٍ.

ثالِثُها: تَأْكِيدٌ وبَيانٌ لِلْجَزاءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ قالَ الكافِرُونَ: هَذا الجَزاءُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالحَشْرِ، وجَمْعُ الأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها وإعادَةُ ما كانَ لِزَيْدٍ مِنَ الأجْزاءِ في بَدَنِهِ مِن غَيْرِ اخْتِلاطٍ غَيْرِ مُمْكِنٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكُمْ﴾ فَيَجْمَعُها بِقُدْرَتِهِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ كَما أنْشَأكم، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في: ”إذْ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: