< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الهَوى ومَرْكَبِ النَّفْسِ؛ ولِهَذا يُقالُ لِمَن رَكِبَ مَتْنَ هَواهُ إنَّهُ عَلا في الأرْضِ واسْتَكْبَرَ، قالَ تَعالى:﴿عَلا في الأرْضِ﴾[ القَصَصِ: ٤] .

ثانِيهِما: أنَّ المُرادَ مِنَ النَّزْلَةِ ضِدُّها وهي العَرْجَةُ، كَأنَّهُ قالَ رَآهُ عَرْجَةً أُخْرى، وإنَّما اخْتارَ النَّزْلَةَ، لِأنَّ العَرْجَةَ الَّتِي في الآخِرَةِ لا نَزْلَةَ لَها، فَقالَ نَزْلَةً لِيُعْلَمَ أنَّها مِنَ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ رَأى جِبْرِيلَ نَزْلَةً أُخْرى، والنَّزْلَةُ حِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ كَما ذَكَرْناهُ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلى ما ورَدَ في بَعْضِ أخْبارِ لَيْلَةِ المِعْراجِ، جاوَزَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ دَنَوْتُ أُنْمُلَةً لاحْتَرَقْتُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ فَذَلِكَ نَزْلَةٌ. فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ قالَ: (أُخْرى) ؟ نَقُولُ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ الصَّلاةِ تَرَدَّدَ مِرارًا فَرُبَّما كانَ يُجاوِزُ كُلَّ مَرَّةٍ، ويَنْزِلُ إلى جِبْرِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكِلاهُما مَنقُولٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَنَزْلَةٌ أُخْرى ظاهِرٌ، لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ لَهُ نَزَلاتٌ وكانَ لَهُ نَزْلَتانِ عَلَيْهِ وهو عَلى صُورَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ المَشْهُورُ أنَّ السِّدْرَةَ شَجَرَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ وعَلَيْها مِثْلُ النَّبْقِ، وقِيلَ في السَّماءِ السّادِسَةِ، ووَرَدَ في الخَبَرِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«نَبْقُها كَقِلالِ هَجَرَ

صفحة ٢٥٢

ووَرَقُها كَآذانِ الفِيَلَةِ» “ وقِيلَ سِدْرَةُ المُنْتَهى هي الحَيْرَةُ القُصْوى مِنَ السِّدْرَةِ، والسِّدْرَةُ كالرُّكْبَةِ مِنَ الرّاكِبِ عِنْدَما يُحارُ العَقْلُ حَيْرَةً لا حَيْرَةَ فَوْقَها، ما حارَ النَّبِيُّ ﷺ وما غابَ ورَأى ما رَأى، وقَوْلُهُ (عِنْدَ) ظَرْفُ مَكانٍ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ في هَذا المَوْضِعِ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ ظَرْفُ مَكانٍ تَقْدِيرُهُ رَأى جِبْرِيلَ أوْ غَيْرَهُ بِقُرْبِ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقِيلَ ظَرْفُ زَمانٍ، كَما يُقالُ صَلَّيْتُ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَقْدِيرُهُ رَآهُ عِنْدَ الحَيْرَةِ القُصْوى، أيْ في الزَّمانِ الَّذِي تُحارُ فِيهِ عُقُولُ العُقَلاءِ، والرُّؤْيَةُ مِن أتَمِّ العُلُومِ وذَلِكَ الوَقْتُ مِن أشَدِّ أوْقاتِ الجَهْلِ والحَيْرَةِ، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما حارَ وقْتًا مِن شَأْنِهِ أنْ يَحارَ العاقِلُ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قُلْنا مَعْناهُ رَأى اللَّهَ كَيْفَ يُفْهَمُ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَجْعَلُ اللَّهَ في مَكانٍ وهو باطِلٌ، وقَدْ بالَغْنا في بَيانِ بُطْلانِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. الثّانِي: رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ لِأنَّ الظَّرْفَ قَدْ يَكُونُ ظَرْفًا لِلرّائِي كَما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ يُقالُ رَأيْتُ الهِلالَ، فَيُقالُ لِقائِلِهِ أيْنَ رَأيْتَهُ ؟ فَيَقُولُ عَلى السَّطْحِ ورُبَّما يَقُولُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ الفُلانِيَّةِ، وأمّا إنْ قُلْنا إنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالوَجْهانِ ظاهِرانِ، وكَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى أظْهَرُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إضافَةُ السِّدْرَةِ إلى المُنْتَهى مِن أيِّ [ أنْواعِ ] الإضافَةِ ؟ نَقُولُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: إضافَةُ الشَّيْءِ إلى مَكانِهِ، يُقالُ أشْجارُ بَلْدَةِ كَذا لا تَطُولُ مِنَ البَرْدِ، ويُقالُ أشْجارُ الجَنَّةِ لا تَيْبَسُ ولا تَخْلُو مِنَ الثِّمارِ، فالمُنْتَهى حِينَئِذٍ مَوْضِعٌ لا يَتَعَدّاهُ مَلَكٌ، وقِيلَ لا يَتَعَدّاهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ.

وثانِيها: إضافَةُ المَحَلِّ إلى الحالِّ فِيهِ، يُقالُ: كِتابُ الفِقْهِ، ومَحَلُّ السَّوادِ، وعَلى هَذا فالمُنْتَهى عِنْدَ ”السِّدْرَةِ“ تَقْدِيرُهُ سِدْرَةٌ عِنْدَ مُنْتَهى العُلُومِ.

ثالِثُها: إضافَةُ المُلْكِ إلى مالِكِهِ يُقالُ دارُ زَيْدٍ وأشْجارُ زَيْدٍ، وحِينَئِذٍ فالمُنْتَهى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ”سِدْرَةُ المُنْتَهى“ إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾[ النَّجْمِ: ٤٢] فالمُنْتَهى إلَيْهِ هو اللَّهُ، وإضافَةُ السِّدْرَةِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، ويُقالُ في التَّسْبِيحِ: يا غايَةَ مُناهُ، ويا مُنْتَهى أمَلاهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: