< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المَسْكَنُ وهو الجَنّاتُ ثُمَّ الأكْلُ والشُّرْبُ، ثُمَّ الفُرُشُ والبُسُطُ ثُمَّ الأزْواجُ، فَهَذِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ ذَكَرَها اللَّهُ عَلى التَّرْتِيبِ، وذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَدُلُّ عَلى كَمالِهِ، قَوْلُهُ (جَنّاتٍ) إشارَةٌ إلى المَسْكَنِ، والمَسْكَنُ لِلْجِسْمِ ضَرُورِيٌّ وهو المَكانُ، فَقالَ:﴿فاكِهِينَ﴾ لِأنَّ مَكانَ التَّنْعِيمِ قَدْ يَتَنَغَّصُ بِأُمُورٍ وبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الفَكاهَةِ وعُلُوَّ المَرْتَبَةِ يَكُونُ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا، وأمّا في الأكْلِ والشُّرْبِ والإذْنِ المُطْلَقِ فَتَرَكَ ذِكْرَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ لِتَنَوُّعِهِما وكَثْرَتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَنِيئًا﴾ إشارَةٌ إلى خُلُوِّهِما عَمّا يَكُونُ فِيها مِنَ المَفاسِدِ في الدُّنْيا، مِنها أنَّ الآكِلَ يَخافُ مِنَ المَرَضِ فَلا يَهْنَأُ لَهُ الطَّعامُ، ومِنها أنَّهُ يَخافُ النَّفادَ فَلا يَسْخُو بِالأكْلِ والكُلُّ مُنْتَفٍ في الجَنَّةِ فَلا مَرَضَ ولا انْقِطاعَ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ عِنْدَهُ ما يَفْضُلُ عَنْهُ، ولا إثْمَ ولا تَعَبَ في تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا رُبَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ الأكْلِ لِما فِيهِ مِن تَهْيِئَةِ المَأْكُولِ بِالطَّبْخِ والتَّحْصِيلِ مِنَ التَّعَبِ أوِ المِنَّةِ أوْ ما فِيهِ مِن قَضاءِ الحاجَةِ واسْتِقْذارِ ما فِيهِ، فَلا يَتَهَنَّأُ، وكُلُّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ مُنْتَفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى يَقُولُ، أيْ مَعَ أنِّي رَبُّكم وخالِقُكم وأدْخَلْتُكم بِفَضْلِي الجَنَّةَ، وإنَّما مِنَّتِي عَلَيْكم في الدُّنْيا إذْ هَدَيْتُكم ووَفَّقْتُكم لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾[ الحُجُراتِ: ١٧] . وأمّا اليَوْمَ فَلا مَنَّ عَلَيْكم لِأنَّ هَذا إنْجازُ الوَعْدِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ التَّحْرِيمِ: ٧] وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ بَيْنَهُما بَوْنٌ عَظِيمٌ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ٢١٤
الأوَّلُ: كَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ أيْ لا تُجْزَوْنَ إلّا ذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَذا في حَقِّ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ أضْعافَ ما عَمِلَ ويَزِيدُهُ مِن فَضْلِهِ، وحِينَئِذٍ إنْ كانَ يَمُنُّ اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ فَيَمُنُّ بِذَلِكَ لا بِالأكْلِ والشُّرْبِ. الثّانِي: قالَ هُنا (بِما كُنْتُمْ) وقالَ هُناكَ (ما كُنْتُمْ) أيْ تُجْزَوْنَ عَيْنَ أعْمالِكم إشارَةٌ إلى المُبالَغَةِ في المُماثَلَةِ، كَما تَقُولُ هَذا عَيْنُ ما عَمِلْتَ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ (بِما كُنْتُمْ) كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ بِعَمَلِكم هَذا. الثّالِثُ: ذَكَرَ الجَزاءَ هُناكَ وقالَ هاهُنا ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ يُنْبِئُ عَنِ الِانْقِطاعِ فَإنَّ مَن أحْسَنَ إلى أحَدٍ فَأتى بِجَزائِهِ لا يَتَوَقَّعُ المُحْسِنُ مِنهُ شَيْئًا آخَرَ. فَإنْ قِيلَ فاللَّهُ تَعالى قالَ في مَواضِعَ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾[ الواقِعَةِ: ٢٤] في الثَّوابِ، نَقُولُ في تِلْكَ المَواضِعِ لَمّا لَمْ يُخاطِبِ المُجْزى لَمْ يَقُلْ تُجْزى وإنَّما أتى بِما يُفِيدُ العالِمَ بِالدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ. وأمّا في السُّرُرِ فَذَكَرَ أُمُورًا أيْضًا أحَدُها: الِاتِّكاءُ فَإنَّهُ هَيْئَةٌ تَخْتَصُّ بِالمُنَعَّمِ والفارِغِ الَّذِي لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ ولا تَكَلُّفَ لَدَيْهِ، فَإنَّ مَن يَكُونُ عِنْدَهُ مَن يَتَكَلَّفُ لَهُ يَجْلِسُ لَهُ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَهُ، ومَن يَكُونُ في مُهِمٍّ لا يَتَفَرَّغُ لِلِاتِّكاءِ فالهَيْئَةُ دَلِيلُ خَيْرٍ. ثُمَّ الجَمْعُ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ سُرُرٌ وهو الظّاهِرُ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها لِواحِدٍ لِأنَّ سُرُرَ الكُلِّ لا تَكُونُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ مُصْطَفَّةً، ولَفْظُ السَّرِيرِ فِيهِ حُرُوفُ السُّرُورِ بِخِلافِ التَّخْتِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لِمُجَرَّدِ العِظَمِ فَإنَّها لَوْ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً لَقِيلَ في كُلِّ مَوْضِعٍ واحِدٌ لِيَتَّكِئَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ إذا حَضَرَ في هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الرّابِعَةِ، وفِيها أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ الحالِ مِن وُجُوهٍ:أحَدُها: أنَّهُ تَعالى هو