< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿عَلى عَيْنِي﴾[ طَه: ٣٩] وقالَ هاهُنا (بِأعْيُنِنا) وما الفَرْقُ بَيْنَ عَلى وبَيْنَ الباءِ ؟ نَقُولُ مَعْنى عَلى هُناكَ هو أنَّهُ يَرى عَلى ما يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى، كَما يَقُولُ أفْعَلُهُ عَلى عَيْنِي أيْ عَلى رِضايَ، تَقْدِيرُهُ عَلى وجْهٍ يَدْخُلُ في عَيْنِي وألْتَفِتُ إلَيْهِ، فَإنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِغَيْرِهِ ولا يَرْتَضِيهِ لا يَنْظُرُ فِيهِ ولا يُقَلِّبُ عَيْنَهُ إلَيْهِ، والباءُ في قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قَدْ ذَكَرْناها، وقَوْلُهُ (حِينَ تَقُومُ) فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَقُومُ مِن مَوْضِعِكَ، والمُرادُ قَبْلَ القِيامِ حِينَ ما تَعْزِمُ عَلى القِيامِ وحِينَ مَجِيءِ القِيامِ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ «مَن قالَ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“ مِن قَبْلِ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ يُكْتَبُ ذَلِكَ كَفارَّةً» لِما يَكُونُ قَدْ صَدَرَ مِنهُ مِنَ اللَّفْظِ واللَّغْوِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ.

الثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِنَ النَّوْمِ، وقَدْ ورَدَ أيْضًا فِيهِ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ ”«يُسَبِّحُ بَعْدَ الِانْتِباهِ» “ .

الثّالِثُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ في افْتِتاحِ الصَّلاةِ ”«سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ» “ .

الرّابِعُ: حِينَ تَقُومُ لِأمْرٍ ما ولا سِيَّما إذا قُمْتَ مُنْتَصِبًا لِمُجاهَدَةِ قَوْمِكَ ومُعاداتِهِمْ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وبَدِّلْ قِيامَكَ لِلْمُعاداةِ وانْتِصابَكَ لِلِانْتِقامِ بِقِيامِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ.

الخامِسُ: (حِينَ تَقُومُ) أيْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ السُّكُونِ والنَّهارَ مَحَلُّ الِابْتِغاءِ وهو بِالقِيامِ أوْلى، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَقِيَ مِنَ الزَّمانِ، وكَذَلِكَ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وهو أوَّلُ الصُّبْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ .

صفحة ٢٣٨

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾[ الرُّومِ: ١٧] وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ الِاخْتِصاصِ بِهَذِهِ الأوْقاتِ ومَعْناهُ، ونَخْتِمُ هَذِهِ السُّورَةَ بِفائِدَةٍ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقالَ في ق ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾[ ق: ٤٠]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ المَعْنى واحِدٌ والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ جَمْعُ ساجِدٍ، ولِلنُّجُومِ سُجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٦] وقِيلَ المُرادُ مِنَ النَّجْمِ نُجُومُ السَّماءِ، وقِيلَ النَّجْمُ ما لا ساقَ لَهُ مِنَ النَّباتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾[ النَّحْلِ: ٤٩] أوِ المُرادُ مِنَ النُّجُومِ الوَظائِفُ وكُلُّ وظِيفَةِ نَجْمٍ في اللُّغَةِ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن وظائِفِ الصَّلاةِ فَقُلْ سُبْحانَ اللَّهِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: ”«مَن قالَ عَقِيبَ الصَّلاةِ سُبْحانَ اللَّهِ عَشْرَ مَرّاتٍ والحَمْدُ لِلَّهِ عَشْرَ مَرّاتٍ واللَّهُ أكْبَرُ عَشْرَ مَرّاتٍ كُتِبَ لَهُ ألْفُ حَسَنَةٍ» “ فَيَكُونُ المَعْنى في المَوْضِعَيْنِ واحِدًا؛ لِأنَّ السُّجُودَ مِنَ الوَظائِفِ، والمَشْهُورُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن إدْبارِ النُّجُومِ وقْتُ الصُّبْحِ حَيْثُ يُدْبِرُ النَّجْمُ ويَخْفى ويَذْهَبُ ضِياؤُهُ بِضَوْءِ الشَّمْسِ، وحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ ما ذَكَرْنا مِنَ الوَجْهِ الخامِسِ في قَوْلِهِ حِينَ تَقُومُ أنَّ المُرادَ مِنهُ النَّهارُ لِأنَّهُ مَحَلُّ القِيامِ (ومِنَ اللَّيْلِ) القَدْرُ الَّذِي يَكُونُ الإنْسانُ يَقْظانَ فِيهِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقْتُ الصُّبْحِ فَلا يَخْرُجُ عَنِ التَّسْبِيحِ إلّا وقْتَ النَّوْمِ. وهَذا آخِرُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ واللَّهُ أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

« الصفحة السابقة ص ۳٢ من ۳٢ الصفحة التالية »