< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الفاعِلَ مُتَّصِلٌ بِالفِعْلِ؛ ولِهَذا قالُوا فَعَلْتُ فَأسْكَنُوا اللّامَ لِئَلّا يَلْزَمَ أرْبَعُ مُتَحَرِّكاتٍ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وقالُوا ضَرَبَكَ ولَمْ يُسَكِّنُوا لِأنَّ الكافَ ضَمِيرُ المَفْعُولِ وهو مُنْفَصِلٌ، وأمّا تَقْدِيمُ المُضْمَرِ فَلِأنَّهُ يَكُونُ أشَدَّ اخْتِصارًا، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرَبَنِي زَيْدٌ يَكُونُ أقْرَبَ إلى الِاخْتِصارِ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ إيّايَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ اخْتِصارٌ كَقَوْلِكَ مَرَّ بِي زَيْدٌ ومَرَّ بِي فالأوْلى تَقْدِيمُ الفاعِلِ، وهاهُنا لَوْ قالَ يَوْمَ لا يُغْنِيهِمْ كَيْدُهم كانَ الأحْسَنُ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ، فَإذا قالَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم صارَ كَما قُلْنا في مَرَّ زَيْدٌ بِي فَلِمَ لَمْ يُقَدِّمِ الفاعِلَ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمِ البَيانِ، وهو أنَّ تَقْدِيمَ الأهَمِّ أوْلى فَلَوْ قالَ يَوْمُ لا يُغْنِي كَيْدُهم كانَ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ رُبَّما يَقُولُ لا يُغْنِي كَيْدُهم غَيْرَهم فَيَرْجُو الخَيْرَ في حَقِّهِمْ، وإذا سَمِعَ لا يُغْنِي عَنْهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهُ وانْتَظَرَ الأمْرَ الَّذِي لَيْسَ بِمُغْنٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الكَيْدِ هو فِعْلٌ يَسُوءُ مَن نَزَلَ بِهِ وإنْ حَسُنَ مِمَّنْ صَدَرَ مِنهُ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَمَلِ الَّذِي يَسُوءُ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَقُلْ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم أفْعالُهم عَلى الإطْلاقِ ؟ نَقُولُ هو قِياسٌ بِالطَّرِيقِ الأوْلى لِأنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَقالَ ما أغْنى أحْسَنُ أعْمالِهِمُ الَّذِي كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ لِيَقْطَعَ رَجاءَهم عَمّا دُونَهُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وقَدْ قُلْنا إنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ تَدْبِيرُهم في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيْ لا يَنْفَعُهم كَيْدُهم في الدُّنْيا فَماذا يَفْعَلُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الكَيْدُ بَلْ يَضُرُّهم، وقَوْلُهُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
صفحة ٢٣٥
فِيهِ وُجُوهٌ:أحَدُها: أنَّهُ مُتَمِّمُ بَيانٍ، وجْهُهُ هو أنَّ الدّاعِيَ أوَّلًا يُرَتِّبُ أُمُورًا لِدَفْعِ المَكْرُوهِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى الِانْتِصارِ بِالغَيْرِ والمِنَّةِ ثُمَّ إذا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ يَنْتَصِرُ بِالأغْيارِ، فَقالَ لا يَنْفَعُهم أفْعالُ أنْفُسِهِمْ ولا يَنْصُرُهم عِنْدَ اليَأْسِ وحُصُولِ اليَأْسِ عَنْ إقْبالِهِمْ.
ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾[ يس: ٢٣]، فَقَوْلُهُ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ عِبادَتُهُمُ الأصْنامَ، وقَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾[ يُونُسَ: ١٨] وقَوْلُهم ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا﴾[ الزُّمَرِ: ٣] وقَوْلُهُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، أيْ لا نَصِيرَ لَهم كَما لا شَفِيعَ، ودَفْعُ العَذابِ، إمّا بِشَفاعَةِ شَفِيعٍ أوْ بِنَصْرِ ناصِرٍ.
ثالِثُها: أنْ نَقُولَ: الإضافَةُ في كَيْدِهِمْ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، لا إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ، فَكَأنَّهُ قالَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُ الشَّيْطانِ إيّاهم، وبَيانُهُ هو أنَّكَ تَقُولُ أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ عَمْرًا، وأعْجَبَنِي ضَرْبُ عَمْرٍو، فَإذا اقْتَصَرْتَ عَلى المَصْدَرِ والمُضافِ إلَيْهِ لا يُعْلَمُ إلّا بِالقَرِينَةِ والنِّيَّةِ، فَإذا سَمِعْتَ قَوْلَ القائِلِ، أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ ضارِبًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَضْرُوبًا، فَإذا سَمِعْتَ قَوْلَ القائِلِ، أعْجَبَنِي قَطْعُ اللِّصِّ عَلى سَرِقَتِهِ دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلى أنَّهُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا فاسِدٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ إيضاحُ واضِحٍ لِأنَّ كَيْدَ المَكِيدِ لا يَنْفَعُ قَطْعًا، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، لَكِنَّ كَيْدَ الكائِدِ يَظُنُّ أنَّهُ يَنْفَعُ، فَقالَ تَعالى: ذَلِكَ لا يَنْفَعُ، نَقُولُ كَيْدَ الشَّيْطانِ إيّاهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّها تَنْفَعُ، وأمّا كَيْدُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ وإنَّما طَلَبُوا أنْ يَنْفَعَهم في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، فالإشْكالُ