< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وهو أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: سُبْحانَ اسْمُ عَلَمٍ لِلتَّسْبِيحِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾[ الرُّومِ: ١٧] وأكْثَرْنا مِنَ الفَوائِدِ، فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ نَقُولَ سُبْحانَ اللَّهِ اسْمُ مَصْدَرٍ، ونَقُولُ سُبْحانَ عَلى وزْنِ فُعْلانَ فَنَذْكُرُ سُبْحانَ مِن غَيْرِ مَواضِعِ الإيقاعِ لِلَّهِ كَما يُقالُ في التَّسْبِيحِ، نَقُولُ: ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: مِن حَرْفُ جارٍّ وفي كَلِمَةُ ظَرْفٍ حَيْثُ يُخْبَرُ عَنْهُ، مَعَ أنَّ الحَرْفَ لا يُخْبَرُ عَنْهُ فَيُجابُ بِأنَّ مِن وفي حِينَئِذٍ جُعِلا كالِاسْمِ ولَمْ يُتْرَكا عَلى أصْلِهِما المُسْتَعْمَلِ في مِثْلِ قَوْلِكَ أخَذْتُ مِن زَيْدٍ والدِّرْهَمُ في الكِيسِ، فَكَذَلِكَ سُبْحانَ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَواضِعِ لَمْ يُتْرَكْ عَلى مَواضِعِ اسْتِعْمالِهِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُتْرَكْ عَلَمًا كَما يُقالُ زَيْدٌ عَلى وزْنِ فَعْلٍ بِخِلافِ التَّسْبِيحِ فِيما ذَكَرْنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْناهُ سُبْحانَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ.
ثانِيهِما: خَبَرِيَّةٌ مَعْناهُ عَنِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنِ الوَلَدِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ البَناتُ لِلَّهِ فَقالَ سُبْحانَ اللَّهِ عَلى البَناتِ والبَنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ مِثْلِ الآلِهَةِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هو مِثْلُ ما يَعْبُدُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَ اللَّهِ عَنْ مِثْلِ ما يَعْبُدُونَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾وجْهُ التَّرْتِيبِ فِيهِ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ أقْوالِهِمْ وسُقُوطَها عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ أشارَ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شَيْءٌ مِن وجْهِ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الآياتِ ظَهَرَتْ والحُجَجَ تَمَيَّزَتْ ولَمْ يُؤْمِنُوا، وبَعْدَ ذَلِكَ ﴿يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ﴾ أيْ يُنْكِرُونَ الآيَةَ لَكِنَّ الآيَةَ إذا أُظْهِرَتْ في أظْهَرِ الأشْياءِ كانَتْ أظْهَرَ، وبَيانُهُ هو أنَّ مَن يَأْتِي بِجِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ مِن بَيْتِهِ وادَّعى فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ بِهِ كَذا فَرُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنَّهُ في بَيْتِهِ ولَمّا
صفحة ٢٣١
يُبْدِعْهُ، فَإذا قالَ لِلنّاسِ هاتُوا جِسْمًا تُرِيدُونَ حَتّى أجْعَلَ لَكم مِنهُ كَذا يَزُولُ ذَلِكَ الوَهْمُ، لَكِنْ أظْهَرُ الأشْياءِ عِنْدَ الإنْسانِ الأرْضُ الَّتِي هي مَهْدُهُ وفَرْشُهُ، والسَّماءُ الَّتِي هي سَقْفُهُ وعَرْشُهُ، وكانَتِ العَرَبُ عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ في أصْلِ المَذْهَبِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِ الفَلْسَفِيِّ نَحْنُ نُنَزِّهُ غايَةَ التَّنْزِيهِ حَتّى لا نُجَوِّزَ رُؤْيَتَهُ واتِّصافَهُ بِوَصْفٍ زائِدٍ عَلى ذاتِهِ لِيَكُونَ واحِدًا في الحَقِيقَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَذْهَبُنا مَذْهَبَ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ صَنَمًا مَنحُوتًا ؟ نَقُولُ أنْتُمْ لَمّا نَسَبْتُمُ الحَوادِثَ إلى الكَواكِبِ وشَرَعْتُمْ في دَعْوَةِ الكَواكِبِ أخَذَ الجُهّالُ عَنْكم ذَلِكَ واتَّخَذُوهُ مَذْهَبًا وإذا ثَبَتَ أنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ في الأصْلِ عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ وهم يَقُولُونَ بِالطَّبائِعِ فَيَقُولُونَ: الأرْضُ طَبْعُها التَّكْوِينُ والسَّماءُ طَبْعُها يَمْنَعُ الِانْفِصالَ والِانْفِكاكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ في مَواضِعَ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾[ سَبَأٍ: ٩] إبْطالًا لِلطَّبائِعِ وإيثارًا لِلِاخْتِيارِ في الوَقائِعِ، فَقالَ هاهُنا إنْ أتَيْنا بِشَيْءٍ غَرِيبٍ في غايَةِ الغَرابَةِ في أظْهَرِ الأشْياءِ وهو السَّماءُ الَّتِي يَرَوْنَها أبَدًا ويَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا لا يَصِلُ إلَيْها لِيُعَدِّدَ بِالأدْوِيَةِ وغَيْرِها ما يَجِبُ سُقُوطُها لَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، والَّذِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ وأنَّهم كانُوا عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ في أمْرِ السَّماءِ أنَّهم قالُوا ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾[ الإسْراءِ: ٩٢] أيْ ذَلِكَ في زَعْمِكَ مُمْكِنٌ، فَأمّا عِنْدَنا فَلا، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ يُقالُ كِسْفَةٌ مِن ثَوْبٍ أيْ قِطْعَةٌ، وفِيهِ مَباحِثُ:البَحْثُ الأوَّلُ: اسْتَعْمَلَ في السَّماءِ لَفْظَةَ الكِسْفِ، واللُّغَوِيُّونَ