< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مَعْقُولٌ، وأمّا كَوْنُهم طاغِينَ فَهو حَقٌّ، فَخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِالذِّكْرِ ما قالُوا بِهِ وقالَ اللَّهُ بِهِ، فَهم قالُوا نَحْنُ نَتَّبِعُ العَقْلَ، واللَّهُ تَعالى قالَ هم طاغُونَ، فَذَكَرَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ وقَعَ فِيهِما الخِلافُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ عَلى وفْقِ العَقْلِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُقالَ ما يَجِبُ قَوْلُهُ عَقْلًا، فَهَلْ صارَ [ كُلُّ] واجِبٍ عَقْلًا مَأْمُورًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الأحْلامُ ؟ نَقُولُ جَمْعُ حِلْمٍ وهو العَقْلُ وهُما مِن بابٍ واحِدٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ العَقْلَ يَضْبِطُ المَرْءَ فَيَكُونُ كالبَعِيرِ المَعْقُولِ لا يَتَحَرَّكُ مِن مَكانِهِ، والحُلْمُ مِنَ الحِلْمِ وهو أيْضًا سَبَبُ وقارِ المَرْءِ وثَباتِهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْعُقُولِ النُّهى مِنَ النَّهْيِ وهو المَنعُ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ الحُلْمَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو ما يَراهُ النّائِمُ فَيُنْزِلُ ويَلْزَمُهُ الغُسْلُ، وهو سَبَبُ البُلُوغِ وعِنْدَهُ يَصِيرُ الإنْسانُ مُكَلَّفًا، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى مِن لَطِيفِ حِكْمَتِهِ قَرَنَ الشَّهْوَةَ بِالعَقْلِ، وعِنْدَ ظُهُورِ الشَّهْوَةِ كَمُلَ العَقْلُ، فَأشارَ إلى العَقْلِ بِالإشارَةِ إلى ما يُقارِنُهُ وهو الحُلْمُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ نَذِيرُ كَمالِ العَقْلِ، لا العَقْلُ الَّذِي بِهِ يَحْتَرِزُ الإنْسانُ الشِّرْكَ ودُخُولَ النّارِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرْنا أنَّ الإنْسانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ كُلَّ مَعْقُولٍ، بَلْ لا يَقُولُ إلّا ما يَأْمُرُ بِهِ العَقْلُ الرَّزِينُ الَّذِي يُصَحِّحُ التَّكْلِيفَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً مُهِمَّةً، أيْ بِهَذا الَّذِي يَظْهَرُ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا حَيْثُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والأوْثانَ ويَقُولُونَ الهَذَيانَ مِنَ الكَلامِ.
الثّانِي: هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ هو كاهِنٌ هو شاعِرٌ هو مَجْنُونٌ. الثّالِثُ: هَذا إشارَةٌ إلى التَّرَبُّصِ فَإنَّهم لَمّا قالُوا نَتَرَبَّصُ قالَ اللَّهُ تَعالى أعُقُولُهم تَأْمُرُهم بِتَرَبُّصِ هَلاكِهِمْ فَإنَّ أحَدًا لَمْ يَتَوَقَّعْ هَلاكَ نَبِيِّهِ إلّا وهَلَكَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ أمْ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى بَلْ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ: إنَّهُ شاعِرٌ قَوْلًا، بَلْ يَعْتَقِدُونَهُ عَقْلًا ويَدْخُلُ في عُقُولِهِمْ ذَلِكَ، أيْ لَيْسَ ذَلِكَ قَوْلًا مِنهم مِن غَيْرِ عَقْلٍ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاهِنًا ومَجْنُونًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ، لَكِنْ بَلْ هاهُنا واضِحٌ وفي قَوْلِهِ بَلْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم خَفِيٌّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾[ الطُّورِ: ٣٠] وتَقْدِيرُهُ عَلى ما ذَكَرْنا أتَقُولُونَ كاهِنٌ، أمْ تَقُولُونَ شاعِرٌ، أمْ تَقَوَّلَهُ.
ثُمَّ قالَ لِبُطْلانِ جَمِيعِ الأقْسامِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أيْ إنْ كانَ هو شاعِرًا فَفِيكُمُ الشُّعَراءُ البُلَغاءُ والكَهَنَةُ الأذْكِياءُ ومَن يَرْتَجِلُ الخُطَبَ والقَصائِدَ ويَقُصُّ القَصَصَ ولا يَخْتَلِفُ النّاقِصُ والزّائِدُ، فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ، والتَّقَوُّلُ يُرادُ بِهِ الكَذِبُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ التَّفَعُّلَ لِلتَّكَلُّفِ وِإراءَةِ الشَّيْءِ وهو لَيْسَ عَلى ما يُرى، يُقالُ تَمَرَّضَ فُلانٌ أيْ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا، وأرى مِن نَفْسِهِ المَرَضَ وحِينَئِذٍ كَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ كَذِبٌ، ولَيْسَ بِقَوْلٍ إنَّما هو تَقَوُّلُ صُورَةِ القَوْلِ، ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ بِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ المُكَذِّبَ هو الصّادِقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَيانُ هَذا أنَّهم كانُوا في زَمانِ نُزُولِ الوَحْيِ وحُصُولِ المُعْجِزَةِ كانُوا
صفحة ٢٢٢
يُشاهِدُونَها وكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَشْهَدُوا لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ ويَكُونُوا كالنُّجُومِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَما كانَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بَلْ أقَلَّ مِن ذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا أيْضًا وهو أنْ يَكُونُوا مِن آحادِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا تِلْكَ