< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah051
Adh-Dhaariyat (51)
The Winnowing Winds, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَقُولُ فُلانٌ قَلِيلُ الهُجُوعِ، ولا يَقُولُ هُجُوعُهُ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ قِلَّةِ الهُجُوعِ لا بَيانُ الهُجُوعِ بِوَصْفِ القِلَّةِ أوِ الكَثْرَةِ، فَإنَّ الهُجُوعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكانَ نَفْيُ القِلَّةِ أوْلى ولا كَذَلِكَ قِلَّةُ الهُجُوعِ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ لَكانَ بَدَلَها الكَثْرَةُ في الظّاهِرِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّوْمَ القَلِيلَ بِالنَّهارِ قَدْ يُوجَدُ مِن كُلِّ أحَدٍ، وأمّا اللَّيْلُ فَهو زَمانُ النَّوْمِ لا يَسْهَرُهُ في الطّاعَةِ إلّا مُتَعَبِّدٌ مُقْبِلٌ، فَإنْ قِيلَ: الهُجُوعُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، والنَّوْمُ نَهارًا لا يُقالُ لَهُ الهُجُوعُ قُلْنا ذِكْرُ الأمْرِ العامِّ وإرادَةُ التَّخْصِيصِ حَسَنٌ فَنَقُولُ: رَأيْتُ حَيَوانًا ناطِقًا فَصِيحًا، وذِكْرُ الخاصِّ وإرادَةُ العامِّ لا يَحْسُنُ إلّا في بَعْضِ المَواضِعِ فَلا نَقُولُ رَأيْتُ فَصِيحًا ناطِقًا حَيَوانًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ذَكَرَ أمْرًا هو كالعامِّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ: كانُوا مِنَ اللَّيْلِ يُسَبِّحُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ أوْ يَسْهَرُونَ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإذا قالَ يَهْجَعُونَ فَكَأنَّهُ خَصَّصَ ذَلِكَ الأمْرَ العامَّ المُحْتَمَلَ لَهُ ولِغَيْرِهِ فَلا إشْكالَ فِيهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ ويَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى تَنْبِيهًا في جَوابِ سُؤالٍ، وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ، ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ، مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ لا الهُجُوعُ ؟ نَقُولُ: إشارَةٌ إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهَمُ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في الباءِ فَإنَّها اسْتُعْمِلَتْ لِلظَّرْفِ هَهُنا، وهي لَيْسَتْ لِلظَّرْفِ، نَقُولُ: قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يَنُوبُ بَعْضُها مَنابَ بَعْضٍ، يُقالُ في الظَّرْفِ خَرَجْتُ لِعَشْرٍ بَقِينَ وبِاللَّيْلِ وفي شَهْرِ رَمَضانَ، فَيُسْتَعْمَلُ اللّامُ والباءُ وفي، وكَذَلِكَ في المَكانِ، تَقُولُ: أقَمْتُ بِالمَدِينَةِ كَذا وفِيها، ورَأيْتُهُ بِبَلْدَةِ كَذا وفِيها، فَإنْ قِيلَ ما التَّحْقِيقُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الحُرُوفُ لَها مَعانٍ مُخْتَلِفَةٌ، كَما أنَّ الأسْماءَ والأفْعالَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أنَّ الحُرُوفَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِإفادَةِ المَعْنى، والِاسْمُ والفِعْلُ مُسْتَقِلّانِ، لَكِنْ بَيْنَ بَعْضِ الحُرُوفِ وبَعْضِها تَنافٍ وتَباعُدٌ، كَما في الأسْماءِ والأفْعالِ، فَإنَّ البَيْتَ والمَسْكَنَ مُخْتَلِفانِ مُتَفاوِتانِ، وكَذَلِكَ سَكَنَ ومَكَثَ، ولا كَذَلِكَ كُلُّ اسْمَيْنِ يُفْرَضُ أوْ كُلُّ فِعْلَيْنِ يُوجَدُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: بَيْنَ الباءِ واللّامِ وفي مُشارَكَةٌ، أمّا الباءُ فَإنَّها لِلْإلْصاقِ، والمُتَمَكِّنُ في مَكانٍ مُلْتَصِقٌ بِهِ مُتَّصِلٌ، وكَذَلِكَ الفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ، فَإذا قالَ: سارَ بِالنَّهارِ مَعْناهُ ذَهَبَ ذَهابًا مُتَّصِلًا بِالنَّهارِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾أيِ اسْتِغْفارًا مُتَّصِلًا بِالأسْحارِ مُقْتَرِنًا بِها؛ لِأنَّ الكائِنَ فِيها مُقْتَرِنًا بِها، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَكُونُ بَيْنَهُما في المَعْنى تَفاوُتٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن قالَ: قُمْتُ بِاللَّيْلِ واسْتَغْفِرُ بِالأسْحارِ أخْبَرَ عَنِ الأمْرَيْنِ، وذَلِكَ أدَلُّ عَلى وُجُودِ الفِعْلِ مَعَ أوَّلِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الوَقْتِ مِن قَوْلِهِ: قُمْتُ في اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي احْتِواشَ الزَّمانِ بِالفِعْلِ وكَذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: أقَمْتُ بِبَلَدِ كَذا، لا يُفِيدُ أنَّهُ كانَ مُحاطًا بِالبَلَدِ، وقَوْلُهُ: أقَمْتُ فِيها يَدُلُّ