< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قالَ:﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ مُقابَلَةُ اسْتِهْزائِهِمْ بِالإيعادِ لا عَلى وجْهِ الإتْيانِ بِالبَيانِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ابْتِداءَ كَلامٍ تَمامُهُ:

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا يُفْضِي إلى الإضْمارِ، نَقُولُ الإضْمارُ لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ إلّا بِإضْمارٍ، يُقالُ: ويُفْتَنُونَ، قِيلَ مَعْناهُ: يُحْرَقُونَ، والأوْلى أنْ يُقالَ مَعْناهُ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ عَرْضَ المُجَرِّبِ الذَّهَبَ عَلى النّارِ، وكَلِمَةُ عَلى تُناسِبُ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ المُرادُ يُحْرَقُونَ لَكانَ بِالنّارِ أوْ في النّارِ ألْيَقُ لِأنَّ الفِتْنَةَ هي التَّجْرِبَةُ، وأمّا ما يُقالُ مَنِ اخْتَبَرَهُ ومِن أنَّهُ تَجْرِبَةُ الحِجارَةِ فَعَنى بِذَلِكَ المَعْنى مَصْدَرَ الفِتَنِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ والفِتْنَةَ الِامْتِحانُ، فَإنْ قِيلَ: فَإذا جَعَلْتَ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ فَما قَوْلُهُ: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟

صفحة ١٧٢

قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِصَرِيحِ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾[ص: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾[الأعراف: ٧٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ فَإنَّهُ نَوْعُ اسْتِعْجالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِعْجالَ بِالفِعْلِ وهو الإصْرارُ عَلى العِنادِ وإظْهارُ الفَسادِ فَإنَّهُ يُعَجِّلُ العُقُوبَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَعْدَ بَيانِ حالِ المُغْتَرِّينَ المُجْرِمِينَ بَيَّنَ حالَ المُحِقِّ المُتَّقِي، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُتَّقِيَ لَهُ مَقاماتٌ أدْناها أنْ يَتَّقِيَ الشِّرْكَ، وأعْلاها أنْ يَتَّقِيَ ما سِوى اللَّهِ، وأدْنى دَرَجاتِ المُتَّقِي الجَنَّةُ، فَما مِن مُكَلَّفٍ اجْتَنَبَ الكُفْرَ إلّا ويَدْخُلُ الجَنَّةَ فَيُرْزَقُ نَعِيمَها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَنَّةُ تارَةً وحَّدَها كَما قالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾[محمد: ١٥] وأُخْرى جَمَعَها كَما في هَذا المَقامِ قالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ وتارَةً ثَنّاها فَقالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾[الرَّحْمَنِ: ٤٦ ] فَمًا الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا الجَنَّةُ عِنْدَ التَّوْحِيدِ فَلِأنَّها لِاتِّصالِ المَنازِلِ والأشْجارِ والأنْهارِ كَجَنَّةٍ واحِدَةٍ، وأمّا حِكْمَةُ الجَمْعِ فَلِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا وبِالإضافَةِ إلى جِنانِها جَنّاتٌ لا يَحْصُرُها عَدَدٌ، وأمّا التَّثْنِيَةُ فَسَنَذْكُرُها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ غَيْرَ أنّا نَقُولُ هَهُنا اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الوَعْدِ وحَّدَ الجَنَّةَ، وكَذَلِكَ عِنْدَ الشِّراءِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾[التوبة: ١١١] وعِنْدَ الإعْطاءِ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ الزِّيادَةَ في الوَعْدِ مَوْجُودَةٌ، والخِلافُ ما لَوْ وعَدَ بِجَنّاتٍ، ثُمَّ كانَ يَقُولُ إنَّهُ في جَنَّةٍ لِأنَّهُ دُونَ المَوْعُودِ.

الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعُيُونٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَّقِي فِيها ولا لَذَّةَ في كَوْنِ الإنْسانِ في ماءٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المائِعاتِ، نَقُولُ مَعْناهُ في خِلالِ العُيُونِ، وذَلِكَ بَيْنَ الأنْهارِ بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ إلّا بَيْنَ جَنّاتٍ وفي خِلالِها لِأنَّ الجَنَّةَ هي الأشْجارُ، وإنَّما يَكُونُ بَيْنَها، كَذَلِكَ القَوْلُ في العُيُونِ، والتَّنْكِيرُ مَعَ أنَّها مَعْرِفَةٌ لِلتَّعْظِيمِ يُقالُ فُلانٌ رَجُلٌ أيْ عَظِيمٌ في الرُّجُولِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ ولَطائِفُ، أمّا المَسائِلُ:

فالأُولى مِنها: ما مَعْنى آخِذِينَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: قابِضِينَ ما آتاهم شَيْئًا فَشَيْئًا ولا يَسْتَوْفُونَهُ بِكَمالِهِ لِامْتِناعِ اسْتِيفاءِ ما لا نِهايَةَ لَهُ.

ثانِيها: آخِذِينَ قابِلِينَ قَبُولَ راضٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾[التوبة: ١٠٤] أيْ يَقْبَلُها، وهَذا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ (وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ) وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ يَدُلُّ عَلى السُّكْنى فَحَسْبُ وقَوْلُهُ: ﴿آخِذِينَ﴾يَدُلُّ عَلى التَّمَلُّكِ ولِذا يُقالُ أخَذَ بِلادَ كَذا وقَلْعَةَ كَذا إذا