< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah051
Adh-Dhaariyat (51)
The Winnowing Winds, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنْ يُقالَ هَذا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ في العُرْفِ لا بُدَّ لَهُ مِن مَنفَعَةٍ، لَكِنَّ العَبِيدَ عَلى
صفحة ٢٠١
قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِنهم يَكُونُ لِلْعَظَمَةِ والجَمالِ كَمَمالِيكِ المُلُوكِ يُطْعِمُهُمُ المَلِكُ ويَسْقِيهِمْ ويُعْطِيهِمُ الأطْرافَ مِنَ البِلادِ ويُؤْتِيهِمُ الطِّرافَ بَعْدَ التِّلادِ، والمُرادُ مِنهُمُ التَّعْظِيمُ والمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ لَدَيْهِ، وقِسْمٌ مِنهم لِلِانْتِفاعِ بِهِمْ في تَحْصِيلِ الأرْزاقِ أوْ لِإصْلاحِها فَقالَ تَعالى إنِّي خَلَقْتُهم فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِن مَنفَعَةٍ فَلْيَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ هَلْ هم مِن قَبِيلِ أنْ يُطْلُبَ مِنهم تَحْصِيلُ رِزْقٍ ولَيْسُوا كَذَلِكَ، فَما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ، أوْ هَلْ هم مِمَّنْ يُطْلَبُ مِنهم إصْلاحُ قُوتٍ كالطَّبّاخِ والخِوانِيِّ الَّذِي يُقَرُّبُ الطَّعامَ ولَيْسُوا كَذَلِكَ فَما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ، فَإذَنْ هم عَبِيدٌ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ أنْ لا يَتْرُكُوا التَّعْظِيمَ، وفِيهِ لِطائِفُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ:المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ الإرادَتَيْنِ، ومَن لا يُرِيدُ مِن أحَدٍ رِزْقًا لا يُرِيدُ أنْ يُطْعِمَهُ ؟ نَقُولُ هو لِما ذَكَرْناهُ مِن قَبْلُ، وهو أنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَطْلُبُ مِنَ العَبْدِ الكَسْبَ لَهُ، وهو طَلَبُ الرِّزْقِ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ مالٌ وافِرٌ يَسْتَغْنِي عَنِ الكَسْبِ لَكِنَّهُ يَطْلُبُ مِنهُ قَضاءَ حَوائِجَهُ بِمالِهِ مِنَ المالِ وإحْضارَ الطَّعامِ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن مالِهِ، فالسَّيِّدُ قالَ لا أُرِيدُ ذَلِكَ ولا هَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ قَدَّمَ طَلَبَ الرِّزْقِ عَلى طَلَبِ الإطْعامِ ؟ نَقُولُ ذَلِكَ مِن بابِ الِارْتِقاءِ كَقَوْلِ القائِلِ لا أطْلُبُ مِنكَ الإعانَةَ ولا مِمَّنْ هو أقْوى ولا يُعْكَسُ، ويُقالُ فُلانٌ يُكْرِمُهُ الأُمَراءُ بَلِ السَّلاطِينُ ولا يُعْكَسُ، فَقالَ هَهُنا لا أطْلُبُ مِنكم رِزْقًا ولا ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو تَقْدِيمُ طَعامٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّيِّدِ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ كَثِيرُ الطَّلَبِ مِنَ العِبادِ وإنْ كانَ الكَسْبُ لا يُطْلَبُ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ ما أُرِيدُ مِنهم أنْ يَرْزُقُونِ وما أُرِيدُ مِنهم مَنِ الطَّعامِ هَلْ تَحْصُلُ هَذِهِ الفائِدَةُ ؟ نَقُولُ: عَلى ما فَصَّلَ لا وذَلِكَ لِأنَّ بِالتَّكَسُّبِ يُطْلَبُ الغِنى لا الفِعْلُ فَإنِ اشْتَغَلَ بِشُغُلٍ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ غِنًى لا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ لَهُ غِنًى، وإنْ لَمْ يَشْتَغِلْ، كالعَبْدِ المُتَكَسِّبِ إذا تَرَكَ الشُّغُلَ لِحاجَتِهِ ووَجَدَ مَطْلَبًا يَرْضى مِنهُ السَّيِّدُ إذا كانَ شُغُلُهُ التَّكَسُّبَ، وأمّا مَن يُرادُ مِنهُ الفِعْلُ لِذاتِ الفِعْلِ، كالجائِعِ إذا بَعَثَ عَبْدَهُ لِإحْضارِ الطَّعامِ فاشْتَغَلَ بِأخْذِ المالِ مِن مَطْلَبٍ فَرُبَّما لا يَرْضى بِهِ السَّيِّدُ فالمَقْصُودُ مِنَ الرِّزْقِ الغِنى، فَلَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ الفِعْلِ والمَقْصُودُ مِنَ الإطْعامِ الفِعْلُ نَفْسُهُ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الفِعْلِ، ولَمْ يَقُلْ وما أُرِيدُ مِنهم مِن طَعامٍ هَذا مَعَ ما في اللَّفْظَيْنِ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لِلتَّنْوِيعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المَعْنى بِهِ ما ذَكَرْتَ، فَما فائِدَةُ الإطْعامِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ طَلَبِ فِعْلٍ مِنهم غَيْرَ التَّعْظِيمِ ؟ نَقُولُ لَمّا عَمَّمَ في المَطْلَبِ الأوَّلِ اكْتَفى بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رِزْقٍ﴾ فَإنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ، وأشارَ إلى التَّعْظِيمِ فَذَكَرَ الإطْعامَ، وذَلِكَ لِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ الأفْعالِ أنْ يَسْتَعِينَ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ أوْ جارِيَتِهِ في تَهْيِئَةِ أمْرِ الطَّعامِ، ونَفْيُ الأدْنى يَسْتَتْبِعُهُ نَفْيُ الأعْلى بِطَرِيقِ الأوْلى فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهُمْ﴾ مِن عَيْنٍ ولا عَمَلٍ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: عَلى ما ذَكَرْتُ لا تَنْحَصِرُ المَطالِبُ فِيما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَشْتَرِي العَبْدَ لا لِطَلَبِ عَمَلٍ مِنهُ ولا لِطَلَبِ رِزْقٍ ولا لِلتَّعْظِيمِ، بَلْ يَشْتَرِيهِ لِلتِّجارَةِ والرِّبْحِ فِيهِ، نَقُولُ: عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ يَتَناوَلُ ذَلِكَ فَإنَّ مَنِ اشْتَرى عَبَدًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَقَدْ طَلَبَ مِنهُ رِزْقًا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ”ما أُرِيدُ“ في العَرَبِيَّةِ