< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah051
Adh-Dhaariyat (51)
The Winnowing Winds, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ﷺ كانَ مِن كَرَمِ الأخْلاقِ يَنْسُبُ نَفْسَهُ إلى تَقْصِيرٍ، ويَقُولُ إنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ لِتَقْصِيرِي في التَّبْلِيغِ؛ فَيَجْتَهِدُ في الإنْذارِ والتَّبْلِيغِ، فَقالَ تَعالى: قَدْ أتَيْتَ بِما عَلَيْكَ، ولا يَضُرُّكَ التَّوَلِّي عَنْهم، وكُفْرُهم لَيْسَ لِتَقْصِيرٍ مِنكَ، فَلا تَحْزَنْ فَإنَّكَ لَسْتَ بِمَلُومٍ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ، وإنَّما هُمُ المَلُومُونَ بِالإعْراضِ والعِنادِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ التَّوَلِّي مُطْلَقًا، بَلْ تَوَلَّ وأقْبِلْ وأعْرِضْ وادْعُ، فَلا التَّوَلِّي يَضُرُّكَ إذا كانَ عَنْهم، ولا التَّذْكِيرُ يَنْفَعُ إلّا إذا كانَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ مَعْنًى آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّ الهادِيَ إذا كانَتْ هِدايَتُهُ نافِعَةً يَكُونُ ثَوابُهُ أكْثَرَ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ﴾ كانَ يَقَعُ لِمُتَوَهِّمٍ أنْ يَقُولَ: فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوابٌ عَظِيمٌ، فَقُلْ بَلى وذَلِكَ لِأنَّ في المُؤْمِنِينَ كَثْرَةً، فَإذا ذَكَّرْتَهم زادَ هُداهم، وزِيادَةُ الهُدى مِن قَوْلِهِ كَزِيادَةِ القَوْمِ، فَإنَّ قَوْمًا كَثِيرًا إذا صَلّى كُلُّ واحِدٍ رَكْعَةً أوْ رَكْعَتَيْنِ، وقَوْمًا قَلِيلًا إذا صَلّى كُلُّ واحِدٍ ألْفَ رَكْعَةٍ تَكُونُ العِبادَةُ في الكَثْرَةِ كالعِبادَةِ عَنْ زِيادَةِ العَدَدِ، فالهادِي لَهُ عَلى عِبادَةِ كُلِّ مُهْتَدٍ أجْرٌ، ولا يَنْقُصُ أجْرُ المُهْتَدِي، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾[القلم: ٣] أيْ وإنْ تَوَلَّيْتَ بِسَبَبِ انْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ بَلْ وحالَةِ إعْراضِكَ عَنِ المُعانِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يُرادَ قُوَّةُ يَقِينِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾[الفتح: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾[التوبة: ١٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾[محمد: ١٧] .
ثانِيها: تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَعْدَكَ فَكَأنَّكَ إذا أكْثَرْتَ التَّذْكِيرَ بِالتَّكْرِيرِ نُقِلَ عَنْكَ ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ مَن يَجِيءُ بَعْدَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
ثالِثُها: هو أنَّ الذِّكْرى إنْ أفادَ إيمانَ كافِرٍ فَقَدْ نَفَعَ مُؤْمِنًا لِأنَّهُ صارَ مُؤْمِنًا، وإنْ لَمْ يُفِدْ يُوجِدُ حَسَنَةً ويُزادُ في حَسَنَةِ المُؤْمِنِينَ فَيَنْتَفِعُوا، وهَذا هو الَّذِي قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾[الزخرف: ٧٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها فَوائِدُ كَثِيرَةٌ، ولْنَذْكُرْها عَلى وجْهِ الِاسْتِقْصاءِ، فَنَقُولُ أمّا تَعَلُّقُها بِما قَبْلَها فَلِوُجُوهٍ.أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وذَكِّرْ﴾ يَعْنِي أقْصى غايَةِ التَّذْكِيرِ وهو أنَّ الخَلْقَ لَيْسَ إلّا لِلْعِبادَةِ، فالمَقْصُودُ مِن إيجادِ الإنْسانِ العِبادَةُ فَذَكِّرْهم بِهِ وأعْلِمْهم أنَّ كُلَّ ما عَداهُ تَضْيِيعٌ لِلزَّمانِ.
الثّانِي: هو أنّا ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ شُغُلَ الأنْبِياءِ مُنْحَصِرٌ في أمْرَيْنِ عِبادَةِ اللَّهِ وهِدايَةِ الخَلْقِ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ بَيَّنَ أنَّ الهِدايَةَ قَدْ تَسْقُطُ عِنْدَ اليَأْسِ وعَدَمِ المُهْتَدِي، وأمّا العِبادَةُ فَهي لازِمَةٌ والخَلْقُ المُطْلَقُ لَها ولَيْسَ الخَلْقُ المُطْلَقُ لِلْهِدايَةِ، فَما أنْتَ بِمَلُومٍ إذا أتَيْتَ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أصْلٌ إذا تَرَكْتَ الهِدايَةَ بَعْدَ بَذْلِ الجُهْدِ فِيها.
الثّالِثُ: هو أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ لِيُبَيِّنَ سُوءَ صَنِيعِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ فَما كانَ خَلْقُهم إلّا لِلْعِبادَةِ، وأمّا التَّفْسِيرُ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَلائِكَةُ أيْضًا مِن أصْنافِ المُكَلَّفِينَ ولَمْ يَذْكُرْهُمُ اللَّهُ مَعَ أنَّ المَنفَعَةَ الكُبْرى في إيجادِهِ لَهم هي العِبادَةُ ولِهَذا قالَ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟
صفحة ١٩٩
نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا في بَعْضِ الوُجُوهِ أنَّ تَعَلُّقَ الآيَةِ بِما قَبْلَها بَيانُ قُبْحِ ما يَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ مِن تَرْكِ ما خُلِقُوا لَهُ، وهَذا مُخْتَصٌّ بِالجِنِّ والإنْسِ لِأنَّ الكُفْرَ في الجِنِّ أكْثَرُ، والكافِرُ مِنهم أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِ لِما بَيَّنّا