< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾[سبأ: ٥١] .

ثالِثُها: غَيْرُهُما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾[فُصِّلَتْ: ٤٧] وغَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى قَوْلِنا المُنادِي غَيْرُ اللَّهِ فَفِيهِ وُجُوهٌ أيْضًا.

أحَدُها: قَوْلُ إسْرافِيلَ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ اجْتَمِعُوا لِلْوَصْلِ واسْتَمِعُوا لِلْفَصْلِ.

ثانِيها: النِّداءُ مَعَ النَّفْسِ يُقالُ لِلنَّفْسِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾[الفَجْرِ: ٢٨] لِتَدْخُلِي مَكانَكِ مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ.

ثالِثُها: يُنادِي مُنادٍ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وهَؤُلاءِ لِلنّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾[الشورى: ٧] . وعَلى قَوْلِنا المُنادِي هو المُكَلَّفُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هو ما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾[الزخرف: ٧٧] أوْ غَيْرُ ذَلِكَ إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ أحَدُ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ المُنادِي لِلتَّعْرِيفِ وكَوْنُ المَلَكِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُنادِيًا مَعْرُوفٌ عُرِفَ حالُهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ، فَيُقالُ: قالَ ﷺ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وأمّا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنادٍ فَقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا﴾ وهَذا نِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ وهو نِداءٌ، وأمّا المُكَلَّفُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّوْتَ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ بَلْ يَسْتَوِي في اسْتِماعِهِ كُلُّ أحَدٍ وعَلى هَذا فَلا يَبْعُدُ حَمْلُ المُنادِي عَلى اللَّهِ تَعالى إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ المَكانِ القَرِيبِ نَفْسَ المَكانِ بَلْ ظُهُورَ النِّداءِ وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ، وهَذا كَما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمَكانِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ هَذا تَحْقِيقُ ما بَيَّنّا مِنَ الفائِدَةِ في قَوْلِهِ واسْتَمَعْ أيْ لا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ حَتّى لا تُصْعَقَ يَوْمَ الصَّيْحَةِ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ قالَ اسْتَمِعْ أيْ كُنْ قَبْلَ أنْ تَسْتَمِعَ مُسْتَيْقِظًا لِوُقُوعِهِ، فَإنَّ السَّمْعَ لا بُدَّ مِنهُ أنْتَ وهْمٌ فِيهِ سَواءٌ فَهم يَسْمَعُونَ لَكِنْ مِن غَيْرِ اسْتِماعٍ؛ فَيُصْعَقُونَ وأنْتَ تَسْمَعُ بَعْدَ الِاسْتِماعِ فَلا يُؤَثِّرُ فِيكَ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ.

(ويَوْمَ ) يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ والعامِلُ فِيهِما الفِعْلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾[ق: ٤٢] أيْ يَخْرُجُونَ يَوْمَ يَسْمَعُونَ.

ثانِيها: أنْ ”يَوْمَ يَسْمَعُونَ“ العامِلُ فِيهِ ما في قَوْلِهِ: (ذَلِكَ) ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ العامِلُ فِيهِ ما ذَكَرْنا.

ثالِثُها: أنْ يُقالَ ”اسْتَمِعْ“ عامِلٌ في يَوْمَ يُنادِي كَما ذَكَرْنا ويُنادِي عامِلٌ في يَسْمَعُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ يَوْمَ يُنادِي، وإنْ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالمُضافِ إلَيْهِ، وهو يُنادِي لَكِنَّ غَيْرَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِهِ، يُقالُ: اذْكُرْ حالَ زَيْدٍ ومَذَلَّتَهُ يَوْمَ ضَرَبَهُ عَمْرٌو، ويَوْمَ كانَ عَمْرٌو والِيًا، إذا كانَ القائِلُ يُرِيدُ

صفحة ١٦٣

بَيانَ مَذَلَّةِ زَيْدٍ عِنْدَما صارَ زَيْدٌ يُكْرَمُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، فَلا يَكُونُ يَوْمَ كانَ عَمْرٌو والِيًا مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ اذْكُرْ لِأنَّ غَرَضَ القائِلِ التَّذْكِيرُ بِحالِ زَيْدٍ ومَذَلَّتِهِ وذَلِكَ يَوْمَ الضَّرْبِ، لَكِنْ يَوْمَ كانَ عَمْرٌو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ ضَرَبَهُ عَمْرٌو يَوْمَ كانَ والِيًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ لِئَلّا تَكُونَ مِمَّنْ يَفْزَعُ ويُصْعَقُ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذا النِّداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُنادِي المُنادِي﴾يَوْمَ يَسْمَعُونَ أيْ لا يَكُونُ نِداءً خَفِيًّا بِحَيْثُ لا يَسْمَعُهُ بَعْضُ النّاسِ بَلْ يَكُونُ نِداؤُهُ بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى مَن في أقْصى المَغْرِبِ كَنِسْبَتِهِ إلى مَن في المَشْرِقِ، وكُلُّكم تَسْمَعُونَ، ولا شَكَّ أنَّ مِثْلَ هَذا الصَّوْتِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُتَهَيِّئًا لِاسْتِماعِهِ، وذَلِكَ يَشْغَلُ النَّفْسَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِهِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ فَظَهَرَ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ مِن