< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وأشَدُّ إقْبالًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: اللَّهُ في وقْتِ أخْذِ المَلَكَيْنِ مِنهُ فِعْلَهُ، وقَوْلَهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِرْقِهِ المَخالِطِ لَهُ، فَعِنْدَما يَخْفى عَلَيْهِما شَيْءٌ يَكُونُ حِفْظُنا بِحالِهِ أكْمَلَ وأتَمَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: التَّلَقِّي مِنَ الِاسْتِقْبالِ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَلَقّى الرَّكْبَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَيَكُونُ مَعْناهُ وقْتَ ما يَتَلَقّاهُ المُتَلَقِّيانِ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ قَعِيدٌ، فالمُتَلَقِّيانِ عَلى هَذا الوَجْهِ هُما المَلَكانِ اللَّذانِ يَأْخُذانِ رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ، أحَدُهُما يَأْخُذُ أرْواحَ الصّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى السُّرُورِ والحُبُورِ إلى يَوْمِ النُّشُورِ، والآخَرُ يَأْخُذُ أرْواحَ الطّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى الوَيْلِ والثُّبُورِ إلى يَوْمِ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ، فَقالَ تَعالى وقْتَ تَلَقِّيهِما وسُؤالِهِما: إنَّهُ مِن أيِّ القَبِيلَيْنِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَعِيدٌ عَنِ اليَمِينِ

صفحة ١٤١

وقَعِيدٌ عَنِ الشِّمالِ، يَعْنِي المَلَكانِ يَنْزِلانِ وعِنْدَهُ مَلَكانِ آخَرانِ كاتِبانِ لِأعْمالِهِ يَسْألانِهِما مِن أيِّ القَبِيلَيْنِ كانَ، فَإنْ كانَ مِنَ الصّالِحِينَ يَأْخُذُ رُوحَهُ مَلَكُ السُّرُورِ، ويَرْجِعُ إلى المَلَكِ الآخَرِ مَسْرُورًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَسْرُورًا مِمَّنْ يَأْخُذُها هو، وإنْ كانَ مِنَ الطّالِحِينَ يَأْخُذُها مَلَكُ العَذابِ ويَرْجِعُ إلى الآخَرِ مَحْزُونًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَأْخُذُها هو، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾[ق: ٢١] فالشَّهِيدُ هو القَعِيدُ، والسّائِقُ هو المُتَلَقِّي يَتَلَقّى أخْذَ رُوحِهِ مِن مَلَكِ المَوْتِ فَيَسُوقُهُ إلى مَنزِلِهِ وقْتَ الإعادَةِ. وهَذا أعْرَفُ الوَجْهَيْنِ وأقْرَبُهُما إلى الفَهْمِ، وقَوْلُ القائِلِ: جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِ فُلانٍ فِيهِ إنْباءٌ عَنْ تَنَحٍّ ما عَنْهُ احْتِرامًا لَهُ واجْتِنابًا مِنهُ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ المَخالِطِ لِأجْزائِهِ المُداخِلِ في أعْضائِهِ والمَلَكُ مُتَنَحٍّ عَنْهُ، فَيَكُونُ عِلْمُنا بِهِ أكْمَلَ مِن عِلْمِ الكاتِبِ، لَكِنَّ مَن أجْلَسَ عِنْدَهُ أحَدًا لِيَكْتُبَ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ، ويَكُونُ الكاتِبُ ناهِضًا خَبِيرًا، والمَلِكُ الَّذِي أجْلَسَ الرَّقِيبَ يَكُونُ جَبّارًا عَظِيمًا، فَنَفْسُهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الكاتِبِ بِكَثِيرٍ، والقَعِيدُ هو الجَلِيسُ كَما أنَّ قَعَدَ بِمَعْنى جَلَسَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ .

أيْ شِدَّتُهُ الَّتِي تُذْهِبُ العُقُولَ وتُذْهِلُ الفِطَنَ، وقَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المَوْتَ فَإنَّهُ حَقٌّ، كَأنَّ شِدَّةَ المَوْتِ تُحْضِرُ المَوْتَ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: جاءَ فُلانٌ بِكَذا أيْ أحْضَرَهُ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ ما أتى بِهِ مِنَ الدِّينِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ وهو يَظْهَرُ عِنْدَ شِدَّةِ المَوْتِ، وما مِن أحَدٍ إلّا وهو في تِلْكَ الحالَةِ يُظْهِرُ الإيمانَ، لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ إلّا مِمَّنْ سَبَقَ مِنهُ ذَلِكَ وآمَنَ بِالغَيْبِ، ومَعْنى المَجِيءِ بِهِ هو أنَّهُ يُظْهِرُهُ، كَما يُقالُ: الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أيْ أظْهَرَهُ. ولَمّا كانَتْ شِدَّةُ المَوْتِ مُظْهِرَةً لَهُ قِيلَ فِيهِ: جاءَ بِهِ. والباءُ حِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها مُلْبِسَةً، يُقالُ: جِئْتُكَ بِأمَلٍ فَسِيحٍ وقَلْبٍ خاشِعٍ. وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَوْتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الحَقِّ، وحادَ عَنِ الطَّرِيقِ أيْ مالَ عَنْهُ، والخِطابُ قِيلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو مُنْكِرٌ، وقِيلَ مَعَ الكافِرِينَ وهو أقْرَبُ، والأقْوى أنْ يُقالَ: هو خِطابٌ عامٌّ مَعَ السّامِعِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ أيُّها السّامِعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ والمُرادُ مِنهُ إمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَيَكُونُ بَيانًا لِما يَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ سَكْرَةِ المَوْتِ أوِ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وهو أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ألْيَقُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ إشارَةً إلى الإماتَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾إشارَةً إلى الإعادَةِ والإحْياءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (ذَلِكَ)