< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


البَقاءِ وقالَ:﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ ثُمَّ ثَنّى بِإعادَةِ ذِكْرِ الإحْياءِ فَقالَ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ وإنْ قُلْنا: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِإنْزالِ الماءِ وإنْباتِ الزَّرْعِ لا لِبَيانِ إمْكانِ الحَشْرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِقَوْلِهِ: (فَأنْبَتْنا بِهِ) بِخِلافِ ما لَوْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الإحْياءَ وإنْ كانَ غَيْرَ الإنْباتِ لَكِنَّ الِاسْتِدْلالَ لَمّا كانَ بِهِ عَلى أمْرَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ جازَ العَطْفُ، تَقُولُ: خَرَجَ لِلتِّجارَةِ وخَرَجَ لِلزِّيارَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: خَرَجَ لِلتِّجارَةِ وذَهَبَ لِلتِّجارَةِ إلّا إذا كانَ الذَّهابُ غَيْرَ الخُرُوجِ، فَنَقُولُ: الإحْياءُ غَيْرُ إنْباتِ الرِّزْقِ؛ لِأنَّ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ يَخْضَرُّ وجْهُ الأرْضِ ويَخْرُجُ مِنها أنْواعٌ مِنَ الأزْهارِ، ولا يُتَغَذّى بِهِ ولا يُقْتاتُ، وإنَّما يَكُونُ بِهِ زِينَةُ وجْهِ الأرْضِ، وهو أعَمُّ مِنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ في كُلِّ مَكانٍ، والزَّرْعُ والثَّمَرُ لا يُوجَدانِ في كُلِّ مَكانٍ، فَكَذَلِكَ هَذا الإحْياءُ، فَإنْ قِيلَ: فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ في الذِّكْرِ لِأنَّ اخْضِرارَ وجْهِ الأرْضِ يَكُونُ قَبْلَ حُصُولِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ؛ ولِأنَّهُ يُوجَدُ في كُلِّ مَكانٍ بِخِلافِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، نَقُولُ: لَمّا كانَ إنْباتُ الزَّرْعِ والثَّمَرِ أكْمَلَ نِعْمَةً قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ.

الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ نَقُولُ: جازَ إثْباتُ التّاءِ في المَيْتِ وحَذْفُها عِنْدَ وصْفِ المُؤَنَّثِ بِها؛ لِأنَّ المَيْتَ تَخْفِيفٌ لِلْمَيِّتِ، والمَيِّتُ فَيْعِلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، فَيَجُوزُ فِيهِ إثْباتُ التّاءِ؛ لِأنَّ التَّسْوِيَةَ في الفَعِيلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾[الأعراف: ٥٦] فَإنْ قِيلَ: لِمَ سَوّى بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الفَعِيلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الحاجَةَ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المَفْعُولِ المُذَكَّرِ والمَفْعُولِ المُؤَنَّثِ نَظَرًا إلى المَعْنى ونَظَرًا إلى اللَّفْظِ، فَأمّا المَعْنى فَظاهِرٌ، وأمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لَهُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: في الفَعِيلِ لَمْ يَتَمَيَّزِ الفاعِلُ بِحَرْفٍ، فَإنَّ فَعِيلًا جاءَ بِمَعْنى الفاعِلِ كالنَّصِيرِ والبَصِيرِ، وبِمَعْنى المَفْعُولِ كالكَسِيرِ والأسِيرِ، ولا يَتَمَيَّزُ بِحَرْفٍ عِنْدَ المُخالَفَةِ إلّا الأقْوى، فَلا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ المُخالَفَةِ الأدْنى، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ فَعِيلًا وُضِعَ لِمَعْنًى لَفْظِيٍّ، والمَفْعُولَ وُضِعَ لِمَعْنًى حَقِيقِيٍّ

صفحة ١٣٨

فَكَأنَّ القائِلَ قالَ: اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ المَفْعُولِ لِلْمَعْنى الفُلانِيِّ، واسْتَعْمَلُوا لَفْظَ الفَعِيلِ مَكانَ لَفْظِ المَفْعُولِ، فَصارَ فَعِيلٌ كالمَوْضُوعِ لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ كالمَوْضُوعِ لِلْمَعْنى، ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ اللَّفْظِ تابِعًا لِتَغَيُّرِ المَعْنى تَغَيَّرَ المَفْعُولُ لِكَوْنِهِ بِإزاءِ المَعْنى، ولَمْ يَتَغَيَّرِ الفَعِيلُ لِكَوْنِهِ بِإزاءِ اللَّفْظِ في أوَّلِ الأمْرِ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾[يس: ٣٣] حَيْثُ أثْبَتَ التّاءَ هُناكَ ؟ نَقُولُ: الأرْضُ أرادَ بِها الوَصْفَ فَقالَ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ لِأنَّ مَعْنى الفاعِلِيَّةِ ظاهِرٌ هُناكَ، والبَلْدَةُ الأصْلُ فِيها الحَياةُ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذا صارَتْ حَيَّةً صارَتْ آهِلَةً، وأقامَ بِها النّاسُ وعَمَّرُوها، فَصارَتْ بَلْدَةً فَأسْقَطَ التّاءَ؛ لِأنَّ مَعْنى الفاعِلِيَّةِ ثَبَتَ فِيها، والَّذِي بِمَعْنى الفاعِلِ لا يَثْبُتُ فِيهِ التّاءُ، وتَحْقِيقُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾[سبأ: ١٥] حَيْثُ أثْبَتَ التّاءَ حَيْثُ ظَهَرَ بِمَعْنى الفاعِلِ، ولَمْ يَثْبُتْ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ، وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ أيْ كالإحْياءِ (الخُرُوجُ) فَإنْ قِيلَ: الإحْياءُ يُشَبَّهُ بِهِ الإخْراجُ لا الخُرُوجُ، فَنَقُولُ: تَقْدِيرُهُ: أحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا فَتَشَقَّقَتْ وخَرَجَ مِنها النَّباتُ كَذَلِكَ تَشَقَّقُ ويَخْرُجُ مِنها الأمْواتُ، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: الرَّجْعُ بِمَعْنى الرُّجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم ما اسْتَبْعَدُوهُ فَلَوِ اسْتَبْعَدُوا الرَّجْعَ الَّذِي هو مِنَ المُتَعَدِّي لَناسَبَ أنْ يَقُولَ: كَذَلِكَ الإخْراجُ، ولَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ فُهِمَ أنَّهم أنْكَرُوا الرُّجُوعَ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾نَقُولُ: فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ