< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وهَهُنا لَمْ يَقُلْ ويَنْصُرَكَ نَصْرًا، بَلْ أعادَ لَفْظَ اللَّهِ، فَنَقُولُ هَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ النَّصْرِ، ولِهَذا قَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ النَّصْرَ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَقالَ تَعالى:﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾[الرُّومِ: ٥] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ يَنْصُرُ، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾[الأنْفالِ: ٦٢] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ، وقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾[النَّصْرِ: ١] وقالَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ نَصْرٌ وفَتْحٌ، وقالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] وهَذا أدَلُّ الآياتِ عَلى مَطْلُوبِنا، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ، والصَّبْرَ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾[النَّحْلِ: ١٢٧] وذَلِكَ لِأنَّ الصَّبْرَ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ، وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾[الرَّعْدِ: ٢٨] فَلَمّا قالَ هَهُنا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ، أظْهَرَ لَفْظَ اللَّهِ ذِكْرًا لِلتَّعْلِيمِ أنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَحْصُلُ اطْمِئْنانُ القُلُوبِ، وبِهِ يَحْصُلُ الصَّبْرُ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنّا فَتَحْنا لِنَغْفِرَ لَكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الفَتْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً لَكِنَّها عامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] وقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾[النِّساءِ: ٤٨] ولَئِنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَغْفِرَةِ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِصْمَةُ، فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنا، بَلْ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ كانَ مَعْصُومًا، وإتْمامُ النِّعْمَةِ كَذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾[المائِدَةِ: ٣] وقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾[البَقَرَةِ: ٤٠] وكَذَلِكَ الهِدايَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرَّعْدِ:٢٧] فَعَمَّمَ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾[الصّافّاتِ: ١٧١، ١٧٢] وأمّا الفَتْحُ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا﴾ وفِيهِ التَّعْظِيمُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: إنّا.

وثانِيهِما: لَكَ أيْ لِأجْلِكَ عَلى وجْهِ المِنَّةِ.

صفحة ٧٠

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ بَيَّنَ وجْهَ النَّصْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصُرُ رُسُلَهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلِكُ بِها أعْداءَهم، أوْ رَجْفَةٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالفَناءِ، أوْ جُنْدٍ يُرْسِلُهُ مِنَ السَّماءِ، أوْ نَصْرٍ وقُوَّةٍ وثَباتِ قَلْبٍ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِيَكُونَ لَهم بِذَلِكَ الثَّوابُ الجَزِيلُ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيْ تَحْقِيقًا لِلنَّصْرِ، وفي السَّكِينَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو السُّكُونُ.

الثّانِي: الوَقارُ لِلَّهِ ولِرَسُولِ اللَّهِ وهو مِنَ السُّكُونِ.

الثّالِثُ: اليَقِينُ والكُلُّ مِنَ السُّكُونِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السَّكِينَةُ هُنا غَيْرُ السَّكِينَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾[البَقَرَةِ: ٢٤٨] في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ ويَحْتَمِلُ هي تِلْكَ المَقْصُودُ مِنها عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ اليَقِينُ وثَباتُ القُلُوبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السَّكِينَةُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ هي سَبَبُ ذِكْرِهِمُ اللَّهَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾[الرَّعْدِ: ٢٨] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ﴾[الأحْزابِ: ٢٦] بِلَفْظِ القَذْفِ المُزْعِجِ وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾بِلَفْظِ الإنْزالِ المُثْبَتِ، وفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وهو أنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا مِن قَبْلُ وتَذَكَّرَهُ واسْتَدامَ تَذَكُّرُهُ فَإذا وقَعَ لا يَتَغَيَّرُ، ومَن كانَ غافِلًا عَنْ شَيْءٍ فَيَقَعُ دُفْعَةً يَرْجُفُ فُؤادُهُ، ألا تَرى أنَّ مَن أُخْبِرَ بِوُقُوعِ صَيْحَةٍ وقِيلَ لَهُ لا تَنْزَعِجْ