< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah048
Al-Fath (48)
The Victory, madinah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِالوَحْيِ بِالمَنامِ، وهو يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أكْثَرَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، فَإذا تَأخَّرَ الدُّخُولُ لِمَ يَسْتَهْزِئُونَ ؟
الرّابِعُ: هو أنَّ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلدُّخُولِ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: لا تَدْخُلُوها إلّا بِإرادَتِنا، ولا نُرِيدُ دُخُولَكم في هَذِهِ السَّنَةِ، ونَخْتارُ دُخُولَكم في السَّنَةِ القابِلَةِ، والمُؤْمِنُونَ أرادُوا الدُّخُولَ في عامِهِمْ ولَمْ يَقَعْ، فَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَقِيَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى مَشِيئَةِ أهْلِ مَكَّةَ إنْ أرادُوا في السَّنَةِ الآتِيَةِ يَتْرُكُونَنا نَدْخُلُها. وإنْ كَرِهُوا لا نَدْخُلُها، فَقالَ: لا تُشْتَرَطُ إرادَتُهم ومَشِيئَتُهم، بَلْ تَمامُ الشَّرْطِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّكم تُتِمُّونَ الحَجَّ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى الآخَرِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حالُ الدّاخِلِينَ. والدّاخِلُ لا يَكُونُ إلّا مُحْرِمًا، والمُحْرِمُ لا يَكُونُ مُحَلِّقًا، فَقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ يُنْبِئُ عَنِ الدَّوامِ فِيهِ إلى الحَلْقِ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَدْخُلُونَها آمِنِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن أنْ تُتِمُّوا الحَجَّ مُحَلِّقِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ أيْضًا حالٌ مَعْناهُ غَيْرُ خائِفِينَ، وذَلِكَ حَصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ في إعادَتِها ؟ نَقُولُ: فِيهِ بَيانُ كَمالِ الأمْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ الحَلْقِ يَخْرُجُ الإنْسانُ عَنِ الإحْرامِ فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِ القِتالُ، وكانَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ يَحْرُمُ قِتالُ مَن أحْرَمَ ومَن دَخَلَ الحَرَمَ فَقالَ: تَدْخُلُونَ آمِنِينَ، وتُحَلِّقُونَ، ويَبْقى أمْنُكم بَعْدَ خُرُوجِكم عَنِ الإحْرامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ مِنَ المَصْلَحَةِ، وكَوْنِ دُخُولِكم في سَنَتِكم سَبَبًا لِوَطْءِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوْ ﴿فَعَلِمَ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، ﴿فَعَلِمَ﴾ وقَعَ عَقِيبَ ماذا ؟ نَقُولُ: إنْ قُلْنا: المُرادُ مِن ﴿فَعَلِمَ﴾ وقْتُ الدُّخُولِ فَهو عَقِيبَ صَدَقَ، وإنْ قُلْنا: المُرادُ فَعِلْمَ المَصْلَحَةَ فالمَعْنى عِلْمُ الوُقُوعِ والشَّهادَةِ لا عِلْمُ الغَيْبِ، والتَّقْدِيرُ يَعْنِي حَصَلَتِ المَصْلَحَةُ في العامِ القابِلِ ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ مِنَ المَصْلَحَةِ المُتَجَدِّدَةِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ إمّا صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وإمّا فَتْحُ خَيْبَرَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يَدْفَعُ وهْمَ حُدُوثِ عِلْمِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يُفِيدُ سَبْقَ عِلْمِهِ العامِّ لِكُلِّ عِلْمٍ مُحْدَثٍ.
صفحة ٩٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ .تَأْكِيدًا لِبَيانِ صِدْقِ اللَّهِ في رَسُولِهِ الرُّؤْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُرْسِلًا لِرَسُولِهِ لِيَهْدِيَ، لا يُرِيدُ ما لا يَكُونُ مُهْدِيًا لِلنّاسِ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ، فَيَقَعُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلضَّلالِ، ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا أقْوى مِن ذَلِكَ، وهو أنَّ الرُّؤْيا بِحَيْثُ تُوافِقُ الواقِعَ لِغَيْرِ الرُّسُلِ، لَكِنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها في اليَقَظَةِ لا تَقَعُ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ وحَكى لَهُ ما سَيَكُونُ في اليَقَظَةِ، ولا يَبْعُدُ مِن أنْ يُرِيَهُ في المَنامِ ما يَقَعُ فَلا اسْتِبْعادَ في صِدْقِ رُؤْياهُ، وفِيها أيْضًا بَيانُ وُقُوعِ الفَتْحِ ودُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ مَن يُقَوِّيهِ عَلى الأدْيانِ لا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ فَتْحُ مَكَّةَ لَهُ و(الهُدى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾[البقرة: ١٨٥] وعَلى هَذا ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ هو ما فِيهِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الهُدى هو المُعْجِزَةُ، أيْ أرْسَلَهُ بِالحَقِّ أيْ مَعَ الحَقِّ إشارَةً إلى ما شَرَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الهُدى هو الأُصُولَ و﴿دِينَ الحَقِّ﴾هو الأحْكامَ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ الرُّسُلِ