< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَزَيَّلُوا﴾ راجِعًا إلى الرِّجالِ لَكانَ لَعَذَّبْنا جَوابَ لَوْلا ؟ نَقُولُ: وقَدْ قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ ”لَوْلا“ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَعَذَّبْنا جَوابَ ”لَوْلا“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ مَن يَشاءُ، كَأنَّهُ قالَ: لِيُدْخِلَ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ لَوْ تَزَيَّلُوا هم وتَمَيَّزُوا وآمَنُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: وهو عَلى تَقْدِيرٍ نَفْرِضُهُ، فالكَلامُ يُفِيدُ أنَّ العَذابَ الألِيمَ انْدَفَعَ عَنْهم، إمّا بِسَبَبِ عَدَمِ التَّزْيِيلِ، أوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الرِّجالِ وعُلِمَ تَقْدِيرُ وُجُودِ الرِّجالِ، والعَذابُ الألِيمُ لا يَنْدَفِعُ عَنِ الكافِرِ، نَقُولُ: المُرادُ عَذابًا عاجِلًا بِأيْدِيكم يَبْتَدِئُ بِالجِنْسِ، إذْ كانُوا غَيْرَ مُقْرِنِينَ ولا مُنْقَلِبِينَ إلَيْهِمْ فَيَظْهَرُونَ ويَقْتَدِرُونَ يَكُونُ ألِيمًا.

البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مَعَ أنَّ المُؤَنَّثَ يَدْخُلُ في ذِكْرِ المُذَكَّرِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ يَعْنِي أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ وهْمِ اخْتِصاصِ الرِّجالِ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَطَئُوهم فَتُصِيبَكُمْ﴾ مَعْناهُ تُهْلِكُوهم والمُرادُ: لا تُقاتِلْ ولا تَقْتُلْ، فَكانَ المانِعَ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: والنِّساءُ المُؤْمِناتُ أيْضًا؛ لِأنَّ تَخْرِيبَ بُيُوتِهِنَّ ويُتْمَ أوْلادِهِنَّ بِسَبَبِ رِجالِهِنَّ وطْأةٌ شَدِيدَةٌ.

وثانِيهِما: أنَّ في مَحَلِّ الشَّفَقَةِ تُعَدُّ المَواضِعُ لِتَرْقِيقِ القَلْبِ، يُقالُ لِمَن يُعَذِّبُ شَخْصًا: لا تُعَذِّبْهُ وارْحَمْ ذُلَّهُ وفَقْرَهُ وضَعْفَهُ، ويُقالُ: أوْلادُهُ وصِغارُهُ وأهْلُهُ الضُّعَفاءُ العاجِزُونَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ لِتَرْقِيقِ قُلُوبِ المُؤْمِناتِ ورِضاهم بِما جَرى مِنَ الكَفِّ بَعْدَ الظَّفَرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .

”إذْ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا فَلا بُدَّ مِن فِعْلٍ يَقَعُ فِيهِ ويَكُونُ عامِلًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ظَرْفٌ فالفِعْلُ الواقِعُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَذْكُورٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَفْهُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَإنْ قُلْنا: هو مَذْكُورٌ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدُّوكُمْ﴾ أيْ وصَدُّوكم حِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ.

صفحة ٨٨

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ لَعَذَّبْناهم حِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ. والثّانِي أقْرَبُ لِقُرْبِهِ لَفْظًا، وشَدَّةِ مُناسَبَتِهِ مَعْنًى؛ لِأنَّهم إذا جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ لا يَرْجِعُونَ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ، والمُؤْمِنُونَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ لا يَتْرُكُونَ الِاجْتِهادَ في الجِهادِ واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَيُعَذِّبُونَهم عَذابًا ألِيمًا أوْ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: حَفِظَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَطَئُوهم وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ جَعَلَ في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ.

وثانِيها: أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكم إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الإحْسانِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فالعامِلُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أيْ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ، كَما تَقُولُ: أتَذْكُرُ إذْ قامَ زَيْدٌ، أيْ: أتَذْكُرُ وقْتَ قِيامِهِ، كَما تَقُولُ: أتَذْكُرُ زَيْدًا، وعَلى هَذا يَكُونُ الظَّرْفُ المُضافُ إلَيْهِ عامِلًا فِيهِ، وفِيهِ لَطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ ولَفْظِيَّةٌ: الأُولى: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أبانَ غايَةَ البَوْنِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَأشارَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: أحَدُها:

جَعَلَ ما لِلْكافِرِينَ بِجَعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجَعَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِجَعْلِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ﴾ وبَيْنَ الفاعِلَيْنِ ما لا يَخْفى.

ثانِيها: جَعَلَ لِلْكافِرِينَ الحَمِيَّةَ، ولِلْمُؤْمِنِينَ السَّكِينَةَ، وبَيْنَ المَفْعُولَيْنِ تَفاوُتٌ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ. ثالِثُها: أضافَ الحَمِيَّةَ إلى الجاهِلِيَّةِ، وأضافَ السَّكِينَةَ إلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: