< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كَأنَّهُ قالَ: رَزَقْتُكم غَنِيمَةً بارِدَةً مِن غَيْرِ مَسِّ حَرِّ القِتالِ، ولَوْ تَعِبْتُمْ فِيهِ لَقُلْتُمْ: هَذا جَزاءُ تَعَبِنا. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَفْهُومٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ واللّامُ يُنْبِئُ عَنِ النَّفْعِ كَما أنَّ ”عَلى“ يُنْبِئُ عَنِ الضُّرِّ القائِلِ: لا عَلَيَّ ولا لِيّا، بِمَعْنى لا ما أتَضَرَّرُ بِهِ ولا ما أنْتَفِعُ بِهِ ولا أضُرُّ بِهِ ولا أنْفَعُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ لِتَنْفَعَكم ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ المَغانِمَ المَوْعُودَ بِها كُلُّ ما يَأْخُذُهُ المُسْلِمُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لِيَنْفَعَكم بِها، ولِيَجْعَلَها لِمَن بَعْدَكم آيَةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ كَما وصَلَ إلَيْكم، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ: لِتَنْفَعَكم في الظّاهِرِ وتَنْفَعَكم في الباطِنِ، حَيْثُ يَزْدادُ يَقِينُكم إذا رَأيْتُمْ صِدْقَ الرَّسُولِ في إخْبارِهِ عَنِ الغُيُوبِ، فَتَجْمُلُ أخْبارُكم ويَكْمُلُ اعْتِقادُكم، وقَوْلُهُ: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، والِاعْتِزازُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ .

صفحة ٨٤

قِيلَ: غَنِيمَةُ هَوازِنَ، وقِيلَ: غَنائِمُ فارِسَ والرُّومِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في أُخْرى ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿قَدْ أحاطَ﴾ و﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ صِفَةً لِأُخْرى، كَأنَّهُ يَقُولُ: وغَنِيمَةً أُخْرى غَيْرَ مَقْدُورَةٍ ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ .

ثانِيها: أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً، وخَبَرُها ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ وحَسُنَ جَعْلُها مُبْتَدَأً مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ .

وثالِثُها: الجَرُّ بِإضْمارِ ”رُبَّ“ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَنصُوبَةٌ بِالعَطْفِ عَلى مَنصُوبٍ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ وأُخْرى ما قَدَرْتُمْ عَلَيْها، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أُخْرى لَمْ يُعَجِّلْ بِها.

وثانِيهُما: عَلى مَغانِمَ كَثِيرَةٍ تَأْخُذُونَها، وأُخْرى أيْ وعَدَكُمُ اللَّهَ أُخْرى، وحِينَئِذٍ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ تَأْخُذُونَها ومَغانِمَ لا تَأْخُذُونَها أنْتُمْ ولا تَقْدِرُونَ عَلَيْها، وإنَّما يَأْخُذُها مَن يَجِيءُ بَعْدَكم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذا تَبَيَّنَ لِقَوْلِ الفَرّاءِ حُسْنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ: حَفِظَها لِلْمُؤْمِنِينَ لا يَجْرِي عَلَيْها هَلاكٌ إلى أنْ يَأْخُذَها المُسْلِمُونَ كَإحاطَةِ الحُرّاسِ بِالخَزائِنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ .

وهُوَ يَصْلُحُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: كَفُّ الأيْدِي عَنْهم كانَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ العَرَبُ كَما عَزَمُوا لَمَنَعُوهم مِن فَتْحِ خَيْبَرَ واغْتِنامِ غَنائِمِها، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا لا يُنْصَرُونَ، والغَلَبَةُ واقِعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ أمْرُهم أمْرًا اتِّفاقِيًّا، بَلْ هو إلَهِيٌّ مَحْكُومٌ بِهِ مَحْتُومٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الشَّخْصِ إمّا أنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ يَنْفَعُ بِاللُّطْفِ، أوْ بِنَصِيرٍ يَدْفَعُ بِالعُنْفِ، ولَيْسَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (ثَّمَ) لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ مَن يُوَلِّي دُبُرَهُ يَطْلُبُ الخَلاصَ مِنَ القَتْلِ بِالِالتِحاقِ بِما يُنْجِيهِ، فَقالَ: ولَيْسَ إذا ولَّوُا الأدْبارَ يَتَخَلَّصُونَ، بَلْ بَعْدَ التَّوَلِّي الهَلاكُ لاحِقٌ بِهِمْ.

﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ .

جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ آخَرَ يَقُومُ مَقامَ الجِهادِ: وهو أنَّ الطَّوالِعَ لَها تَأْثِيراتٌ، والِاتِّصالاتِ لَها تَغَيُّراتٌ، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، [ بَلْ ] سُنَّةُ اللَّهِ نُصْرَةُ رَسُولِهِ وإهْلاكُ عَدُوِّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾بِشارَةٌ ودَفْعُ وهْنٍ يَقَعُ بِسَبَبِ وهْمٍ، وهو أنَّهُ إذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَيْسَ هَذا بِالتَّأْثِيراتِ فَلا يَجِبُ وُقُوعُهُ، بَلِ اللَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، ولَوْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ العِبادَ لَأهْلَكَهم، بِخِلافِ