< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah048
Al-Fath (48)
The Victory, madinah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
القَوْلِ بِإسْلامِهِمْ ما كانَ يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَهم ما كانَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ وكانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، وقَدْ تَبَيَّنَ حُسْنُ حالِهِمْ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم إلى جِهادٍ، فَأطاعَهُ قَوْمٌ وامْتَنَعَ آخَرُونَ، وظَهَرَ أمْرُهم وعُلِمَ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ مِمَّنِ اسْتَقَرَّ قَلْبُهُ عَلى الإيمانِ.
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ في هَذا القِتالِ فَحَسْبُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ كانَ في غَيْرِ هَذا وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأمّا اتِّفاقُ الجُمْهُورِ فَنَقُولُ: لا مُخالَفَةَ بَيْنَنا وبَيْنَهم؛ لِأنّا نَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ دَعاهم أوَّلًا، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا دَعاهم بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ جَوازَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما نَحْنُ نُثْبِتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم، فَإنْ قالُوا: أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعاهم، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ القَوْلَيْنِ تَنافٍ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَدْعُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فالنَّفْيُ والجَزْمُ بِهِ في غايَةِ البُعْدِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وكَيْفَ لا والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ مِن كَلامِ اللَّهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾[آل عمران: ٣١] وقالَ: ﴿واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾[الزخرف: ٦١] ومِنهم مَن أحَبَّ اللَّهَ، واخْتارَ اتِّباعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ بَقاءَ جَمْعِهِمْ عَلى النِّفاقِ والكُفْرِ بَعْدَما اتَّسَعَتْ دائِرَةُ الإسْلامِ واجْتَمَعَتِ العَرَبُ عَلى الإيمانِ بِعِيدٌ، ويَوْمَ قَوْلِهِ ﷺ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ كانَ أكْثَرُ العَرَبِ عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَبْلَ أخْذِ حُصُونٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَرْبٌ مَعَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ دَعاهم إلى الحَرْبِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مُحْرِمًا ومَعَهُ الهُدَيُ؛ لِيَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّهُ لا يَطْلُبُ القِتالَ، وامْتَنَعُوا، فَقالَ: سَتُدْعَوْنَ إلى الحَرْبِ. ولا شَكَّ أنَّ مَن يَكُونُ خَصْمُهُ مُسَلَّحًا مُحارِبًا أكْثَرُ بَأْسًا مِمَّنْ يَكُونُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَكانَ قَدْ عَلِمَ مِن حالِ مَكَّةَ أنَّهم لا يُوَقِّرُونَ حاجًّا ولا مُعْتَمِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي أُولِي سِلاحٍ مِن آلَةِ الحَدِيدِ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ومَن قالَ بِأنَّ الدّاعِيَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ تَمَسَّكَ بِالآيَةِ عَلى خِلافَتِهِما، ودَلالَتُها ظاهِرَةٌ، وحِينَئِذٍ
صفحة ٨١
أتُقاتِلُونَهم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدَهُما يَقَعُ، وقُرِئَ ”أوْ يُسْلِمُوا“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى مَعْنى ”تُقاتِلُونَهم“ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ ”أوْ“ لا تَجِيءُ إلّا بَيْنَ المُتَغايِرَيْنِ، وتُنْبِئُ عَنِ الحَصْرِ فَيُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ؛ ولِهَذا لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هو زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو؛ ولِهَذا يُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ خَمْسَةٌ أوْ غَيْرُهُما، إذا عُلِمَ هَذا فَقالَ القائِلُ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الزَّمانَ انْحَصَرَ في قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُلازَمَةُ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قَضاءُ الحَقُّ، فَلا يَكُونُ بَيْنَ المُلازَمَةِ وقَضاءِ الحَقِّ زَمانٌ لا يُوجَدُ فِيهِ المُلازَمَةُ ولا قَضاءُ الحَقِّ، فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي، كَما حَكى في قَوْلِ القائِلِ: لَألْزَمَنَّكَ إلى أنْ تَقْضِيَنِي؛ لِامْتِدادِ زَمانِ المُلازَمَةِ إلى القَضاءِ، وهَذا ما يُضْعِفُ قَوْلَ القائِلِ: الدّاعِي هو عُمَرُ، والقَوْمُ فارِسُ والرُّومُ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يُقِرّانِ بِالجِزْيَةِ، فالقِتالُ مَعَهم لا يَمْتَدُّ إلى الإسْلامِ لِجَوازِ أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إذا كانَ بِعُذْرٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾[النور: ٦١] لا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي عَذابٌ ألِيمٌ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ تَوَلِّيكم بِناءً عَلى الظَّنِّ الفاسِدِ والِاعْتِقادِ الباطِلِ كَما كانَ حَيْثُ قُلْتُمْ بِألْسِنَتِكم لا بِقُلُوبِكم ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾