< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah044
Ad-Dukhaan (44)
The Smoke, makkah, 59 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ثُمَّ خَلَعَ عَلى إنْسانٍ آخَرَ فَإنَّ تِلْكَ الخِلْعَةَ أعْلى حالًا مِن إعْطاءِ تِلْكَ الأُجْرَةِ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الدَّلائِلَ وشَرَحَ الوَعْدَ والوَعِيدَ قالَ:﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِكَوْنِهِ كِتابًا مُبِينًا كَثِيرَ البَيانِ والفائِدَةِ، وذَكَرَ في خاتِمَتِها ما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ الكِتابَ المُبِينَ الكَثِيرَ الفائِدَةِ إنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ، أيْ إنَّما أنْزَلْناهُ عَرَبِيًّا بِلُغَتِكَ، لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ، وأنَّهُ ما أرادَ مِن أحَدٍ الكُفْرَ، وأجابَ أصْحابُنا أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ عائِدٌ إلى أقْوامٍ مَخْصُوصِينَ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ أيْ فانْتَظِرْ ما يَحِلُّ بِهِمْ، ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ ما يَحِلُّ بِكَ، مُتَرَبِّصُونَ بِكَ الدَّوائِرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ لَيْلَةَ الثُّلاثاءَ في نِصْفِ اللَّيْلِ الثّانِيَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ.
يا دائِمَ المَعْرُوفِ، يا قَدِيمَ الإحْسانِ، شَهِدَ لَكَ إشْراقُ العَرْشِ وضَوْءُ الكُرْسِيِّ، ومَعارِجُ السَّماواتِ، وأنْوارُ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ عَلى مَنابِرِها، المُتَوَغِّلَةِ في العُلُوِّ الأعْلى، ومَعارِجِها المُقَدَّسَةِ عَنْ غُبارِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، بِأنَّ الأوَّلَ الحَقَّ الأزَلِيَّ، لا يُناسِبُهُ شَيْءٌ مِن عَلائِقِ العُقُولِ، وشَوائِبِ
صفحة ٢١٩
الخَواطِرِ، ومُناسَباتِ المُحْدَثاتِ، فالقَمَرُ بِسَبَبِ مَحْوِهِ مُقِرٌّ بِالنُّقْصانِ، والشَّمْسُ بِشَهادَةِ المَعارِجِ بِتَغَيُّراتِها مُعْتَرِفَةٌ بِالحاجَةِ إلى تَدْبِيرِ الرَّحْمَنِ، والطَّبائِعُ مَقْهُورَةٌ تَحْتَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ، فاللَّهُ في غَيْبِيّاتِ المَعارِجِ العالِيَةِ، والمُتَغَيِّراتٌ شاهِدَةٌ بِعَدَمِ تَغَيُّرِهِ، والمُتَعاقِباتُ ناطِقَةٌ بِدَوامِ سَرْمَدِيَّتِهِ، وكُلُّ ما نُوَجَّهُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَضى وسَيَأْتِي فَهو خالِقُهُ وأعْلى مِنهُ، فَبِوُجُودِهِ الوُجُودُ والإيجادُ، وبِإعْدامِهِ الفَناءُ والفَسادُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تائِهٌ في جَبَرُوتِهِ، نائِرٌ عِنْدَ طُلُوعِ نُورِ مَلَكُوتِهِ، ولَيْسَ عِنْدَ عُقُولِ الخَلْقِ إلّا أنَّهُ بِخِلافِ كُلِّ الخَلْقِ، لَهُ العِزُّ والجَلالُ، والقُدْرَةُ والكَمالُ، والجُودُ والإفْضالُ، رَبَّنا ورَبَّ مَبادِينا إيّاكَ نَرُومُ، ولَكَ نُصَلِّي ونَصُومُ، وعَلَيْكَ المُعَوَّلُ، وأنْتَ المَبْدَأُ الأوَّلُ، سُبْحانَكَ سُبْحانَكَ.