< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah044
Ad-Dukhaan (44)
The Smoke, makkah, 59 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
حَسُنَ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ وأُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: أُرِيدَ أنْ يُقالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ البَتَّةَ، فَوُضِعَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ لِأنَّ المَوْتَةَ الماضِيَةَ مُحالٌ في المُسْتَقْبَلِ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَتِ المَوْتَةُ الأُولى يُمْكِنُ ذَوْقُها في المُسْتَقْبَلِ فَإنَّهم يَذُوقُونَها.
الثّانِي: أنَّ (إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) والتَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى قَدْ ذاقُوها.
والثّالِثُ: أنَّ الجَنَّةَ حَقِيقَتُها ابْتِهاجُ النَّفْسِ وفَرَحُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وبِطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ الَّذِي فازَ بِهَذِهِ السَّعادَةِ فَهو في الدُّنْيا في الجَنَّةِ وفي الآخِرَةِ أيْضًا في الجَنَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ وقَعْتِ المَوْتَةُ الأُولى حِينَ كانَ الإنْسانُ في الجَنَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هي جَنَّةُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ والمَحَبَّةِ، فَذِكْرُ هَذا الِاسْتِثْناءِ كالتَّنْبِيهِ عَلى قَوْلِنا: إنَّ الجَنَّةَ الحَقِيقِيَّةَ هي حُصُولُ هَذِهِ الحالَةِ لا الدّارُ الَّتِي هي دارُ الأكْلِ والشُّرْبِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («أنْبِياءُ اللَّهِ لا يَمُوتُونَ، ولَكِنْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» ) .
والرّابِعُ: أنَّ مَن جَرَّبَ شَيْئًا ووَقَفَ عَلَيْهِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ذاقَهُ، وإذا صَحَّ أنْ يُسَمّى العِلْمُ بِالذَّوْقِ صَحَّ أنْ يُسَمّى تَذَكُّرُهُ أيْضًا بِالذَّوْقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ يَعْنِي إلّا الذَّوْقَ
صفحة ٢١٨
الحاصِلَ بِسَبَبِ تَذَكُّرِ المَوْتَةِ الأُولى.السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أهْلَ النّارِ أيْضًا لا يَمُوتُونَ فَلِمَ بَشَّرَ أهْلَ الجَنَّةِ بِهَذا مَعَ أنَّ أهْلَ النّارِ يُشارِكُونَهم فِيهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ البِشارَةَ ما وقَعَتْ بِدَوامِ الحَياةِ بَلْ بِدَوامِ الحَياةِ مَعَ سابِقَةِ حُصُولِ تِلْكَ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ قُرِئَ (ووَقّاهَمْ) بِالتَّشْدِيدِ، فَإنْ قالُوا: مُقْتَضى الدَّلِيلِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوِقايَةِ عَنْ عَذابِ الجَحِيمِ مُتَقَدِّمًا عَلى ذِكْرِ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ لِأنَّ الَّذِي وُقِيَ عَنْ عَذابِ الجَحِيمِ قَدْ يَفُوزُ وقَدْ لا يَفُوزُ، فَإذا ذُكِرَ بَعْدَهُ أنَّهُ فازَ بِالجَنَّةِ حَصَلَتِ الفائِدَةُ، أمّا الَّذِي فازَ بِخَيْراتِ الجَنَّةِ فَقَدْ تَخَلَّصَ عَنْ عِقابِ اللَّهِ لا مَحالَةَ، فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الفَوْزِ عَنْ عَذابِ جَهَنَّمَ بَعْدَ الفَوْزِ بِثَوابِ الجَنَّةِ مُفِيدًا، قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ووَقاهم في أوَّلِ الأمْرِ عَنْ عَذابِ الجَحِيمِ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي كُلَّ ما وصَلَ إلَيْهِ المُتَّقُونَ مِنَ الخَلاصِ عَنِ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِفَضْلِ اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ يَحْصُلُ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا بِطْرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ ثَوابِ المُتَّقِينَ بَيَّنَ أنَّها بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: أكْثَرُ هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانُوا قَدِ اسْتَحَقُّوهُ بِعَمَلِهِمْ فَهو بِفَضْلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى تَفَضَّلَ بِالتَّكْلِيفِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ يُصَيِّرَهم إلى هَذِهِ المَنزِلَةِ فَهو كَمَن أعْطى غَيْرَهُ مالًا لِيَصِلَ بِهِ إلى مِلْكِ ضَيْعَةٍ، فَإنَّهُ يُقالُ في تِلْكَ الضَّيْعَةِ: إنَّها مِن فَضْلِهِ، قُلْنا: مَذْهَبُكَ أنَّ هَذا الثَّوابَ حَقٌّ لازِمٌ عَلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى لَوْ أخَلَّ بِهِ لَصارَ سَفِيهًا ولَخَرَجَ بِهِ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُ مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ بِأنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ التَّفْضِيلَ أعْلى دَرَجَةً مِنَ الثَّوابِ المُسْتَحَقِّ، فَإنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ وصَفَ الفَضْلَ مِنَ اللَّهِ بِكَوْنِهِ فَوْزًا عَظِيمًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ المَلِكَ العَظِيمَ إذا أعْطى الأجِيرَ أُجْرَتَهُ