< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah042
Ash-Shura (42)
Consultation, makkah, 53 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَعالى:﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾[طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾[الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾[هُودٍ: ٤٤]
السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾[الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾[يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾[يُوسُفَ: ٨٨] .
السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾[يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾[التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾[غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ١٣١
وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ